السبت، 5 نوفمبر 2016

ندَّاهات التقنية


تشكلت حكايات الندَّاهات في الأدب العربي للتعبير عن الأساطير الريفية المصرية التي توارثها الفلاحون حول المرأة الجميلة جداً والغريبة التي تظهر في الليالي الظلماء في الحقول لتنادي باسم شخص معين فيقوم هذا الشخص مسحوراً، ويتبع النداء إلى أن يصل إليها ثم يجدونه ميتاً في اليوم التالي، وبرزت هذه الفكرة جلية في عديد من الروايات والأفلام العربية لتجسد فكرة النّده والهلاوس والشعور بالانجذاب إلى شيء ما، كما ارتبطت هذه القصص بالحب ودخلت في عوالم غريبة وضعها أصحاب هذه الحكايات كمبررات لاختفاء الأشخاص أو لوفاتهم أو مرضهم أو إصابتهم بالجنون والانجذاب إلى شيء معين، وما أكثر الندَّاهات التي ملأت عالمنا الذي نعيشه فكل منا صار يصغي إلى أصوات كثيرة تجعله ينجذب إليها دون أن يحتاج إلى أسطورة أو إلى مبررات إنها الكثير من المغريات والمشغلات من التقنيات الحديثة التي طغت على حياتنا، واستأثرت باهتمامنا إلى درجة الإدمان، ويمكن ملاحظة حالة الانجذاب الشديدة التي صرنا نعيشها مع وسائل التقنية والتواصل الحديثة عند عطل أي برنامج من هذه البرامج، أو تلويح الشركات المشغلة بإيقاف الخدمة عن العملاء وهذا ما شهدناه عند توقف برنامج الفايبر أو الواتسب أو قرارات تفعيل تحويل الفيسبوك بمقابل مادي التي برزت على الساحة مؤخراً، أو توقف أحد هذه البرامج من الشركات التي بدأت تدرك ارتباطنا بهذه الأجهزة التي أشبهت الندَّاهات تأخذنا إليها في أوقاتنا الخاصة والعامة، لندخل إلى جروبات الأصدقاء أو إلى المحادثات الخاصة أو قراءة الواقع فكل منا يحمل في يده هذا الصندوق الأسود المملوء بالأسرار، والاهتمامات والعلاقات العامة والخاصة، وكأن كل جهاز من هذه الأجهزة يعرف عنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا يشاركنا أوقاتنا اليومية باللحظة، وتختلف هذه الصناديق باختلاف الأشخاص، فمنهم من يحب أن يحتفظ بكوامن نفسه داخلها في هدوء وكأنها مواقيت الأسرار، وآخرون حولوها إلى وسيلة للتعبير عن أنفسهم، وإطلاق العنان لأفكارهم للخروج عبر هذه النوافذ بإطلالة ذاتية على العالم ومشاركتهم الأفكار والمعلومات، والبوح، وآخرون جعلوها وسيلة لاستعراض حياتهم الاجتماعية وكل ما يدور فيها، وعرض أتفه التصرفات والصور، وما زلنا نتلقى في كل يوم جديداً من الندَّاهات التي تأخذنا من عالمنا الحقيقي إلى عالم مسحور جعلنا نستغني عن مجريات الحياة الاعتيادية، والتلاقي الاجتماعي إلى تلاق آخر يطرح سؤالاً كبيراً حول هذا العالم المسحور من التلاقي فهل صرنا أسرى لهذه المعطيات، والتقنيات التي حلت محل الإنسان، وصار يعتمد عليها في كافة شؤون حياته، وهل جهزنا أنفسنا وعقولنا، ومشاعرنا وحياتنا لندَّاهات جديدات تأخذنا إلى عوالم مسحورة أول و آخر أبجدياتها التقنية؟

كبشٌ واحد لا يكفي


«كبش الفداء».. إنها القصة الحقيقية والاستراتيجية لكل حالة تُحشد فيها الأدلة، والمسوغات والمبررات، لتوجيه التهمة لمجموعة أشخاص أو لشخص ما يكون هو القطب الأضعف في القضية، ليتم تقديمه باعتباره المتهم، والجاني، والمتسبب في هذا الخطأ، «وبهذه الطريقة يمكن أن تنجو باقي الرؤوس التي خشيت من تطايرها» والكراسي التي تخشى من انزياحها من دائرة المسؤوليات والوجاهة المجتمعية، وأعتقد أنه قد تم اختيار الكبش لهذه المهمة لطيبته، ولانصياعه الكامل، ولحاقه بباقي القطيع مطأطئاً رأسه هائماً على وجهه، وذلك مما عزز شخصيته، وجنَّده وبجدارة لهذه المهمة، كما أن لهذه القضية تاريخاً يرجع إلى هتلر الذي وضع اليهود ككبش فداء لتغطية إشكاليات الوضع الاقتصادي في ألمانيا في تلك المرحلة. وهي في المعتقد اليهودي، ذاك الكبش الذي أخذ على عاتقه ذنوب بني إسرائيل وهام بين الأحراش وعلى رأسه تلك الذنوب. ويصف بها اليهود المسيحيون بصورة رمزية صلب عيسى بن مريم -عليه السلام- لتحمُّله خطايا البشرية.
وفي اعتقادي أنها الطريقة التاريخية والحتمية للتملص من مسؤوليات الأخطاء الجسيمة ووضعها على ظهر هذا «الكبش الطيب»، فهي صورة صغرت لتكون في المؤسسات الصغيرة، وكبرت لتصل إلى القطاعات الضخمة في رحلة البحث عن كبش فداء يحمل على عاتقه كافة تبعات التخلي والإهمال، فهو الشماعة الجاهزة لوضع الإشكاليات المتلاحقة على أكتافها، ولكن صورة الكبش تضخمت وتجاوزت مفهوم «الكبش الواحد» بعد أن عصف الخريف العربي بالعالم وتحولت الشعوب إلى كبش فداء لأخطاء السياسة والمزايدات على الحريات والاستقلال، والتخلص من الظلم، لتدفع هذه الشعوب فاتورة إصلاح منتظر أو حياة مختلفة أو تطلع لا نعرف من سيجني حصاده، إنها «كبوش وأكباش عربية» قُدمت على موائد العالم بأشكال مختلفة تعبر عن لقطات الجوع والفقر وويلات الحروب واللجوء والتشرد والنفي والسجن والقتل، إنها لوحات مكررة صارت حتمية يربطها خيط وجع عربي، تتلاحق فيه التضحيات وتتوالى فيه النكبات، إنها اللقطة والمعزوفة والسطور والمعاني المتلاحقة لنزف لا ينقطع، لحالة عربية لم يعد يكفيها كبش واحد.. ولم يعد بالإمكان أن تحمل كل هذه الحكايات والنكسات والانهيارات لهذا الكبش، إننا نحتاج إلى ألف كبش فداء ينوب عنا في تحمُّل تشتتنا واختلافنا وانتظارنا وتخاذلنا لأن نتوقف عن تخلينا، لنقف ونعترف ونفهم ما يجري وندير مراكبنا العربية إلى شاطئ الأمان، لأن نعرف ونعترف بالحقيقة.

أنيقون بما لا يكفي للاعتراف


كلنا طيبون ومثاليون.. «أحياناً» وعندما يتم استدعاؤنا لتصوير حلقة تليفزيونية نعلن وبكل فخر انتماءنا لعوالم الإنسانية ونحتفي في سهراتنا البراقة على أنغام الموسيقى الحالمة بياقاتنا العالية وملابسنا المترفة التي اخترناها بعناية فائقة لتليق بمناسبة «التخفي» ونحن نتباهى بمنتهى الثقة برهافة الإحساس وعذوبة المشاعر، ونطلق شعارات الإنسانية والدينية في كل المحافل ونغني للطفولة ولمواعيد العدالة البراقة ونغزل السيمفونيات الناعمة على إيقاعنا العربي المتهالك كما استفدنا من عمليات التجميل التي قدمت لنا ميزة التشابه وجمَّلت أنوفنا حتى لا نرى أبعد منها، وأضافت كل مميزات البراءة على الوجوه التي لم تعد تحتاج إلى أقنعة مؤقتة وعابرة كي تثبت تلبُّسها بالبراءة وكل مزايا التضحيات، كل شيء في أستديو الحياة براق مذهل، وهذه الإضاءات الملونة قادرة على إخفاء عيوب الديكور والأثاث المتهالك وحالة الانقسام والثغرات والثقوب التي ملأت بيتنا العربي لدرجة جعلتنا غير قادرين على تمييز هوية الأشرار وأين يختبئون، فالجميع هنا يتحدث عن القيم والشعارات ونحن في حالة ذهول وتساؤل مستمر غير مصدقين بسبب الهوة السحيقة بين ما نسمعه وما نعيشه، فهؤلاء لم يرتدوا أقنعة تنكرية مخيفة لحضور هالوين الدم العربي في سوريا وفي بلاد الرافدين وفلسطين وفي اليمن، إنهم يحتاجون أقنعة مدعمة بعناصر الإقناع تتحدث عن القيم والمبادئ على منصات التلفزة لإثبات إخلاء المسؤوليات والحصول على صكوك البراءة.
إذاً أين هم الأشرار وأين يختبئون؟ ومن الذي وقَّع فواتير الحروب والفتن والمؤامرات من وراء هدم البيوت وتشريد الأمم؟ وأين الكهوف التي يختبئ فيها مردة هذا العصر الذهبي الذي يحتفي بالحضارات والتقدم؟ أولئك الذين تصدح أصواتهم في المؤتمرات الدولية بمناشدات واستغاثات عظيمة وهم يوقعون تحت موائدهم أوراق مصالحهم الخاصة، فكل ما يحدث يندرج تحت مسمى «النيات الحسنة والنيران الصديقة» حتى الحرب العالمية الثانية يقال إنها تمت بنياتها حسنة، وحتى كل ما نقرأه في وسائل الإعلام من أحاديث وتصريحات صحفية لعتاولة السياسة تقول إن هناك إنسانية عظيمة يعيشها هذا العالم المتحضر الذي ملأ الكون بالأشعار والخطب والحكايات السياسية عن العدالة التي تجعلنا نعيش فصاماً عقلياً، فكل الوجوه متشابهة في سحنة الطيبة، فإذاً من هم الأشرار وقتلة الأطفال وسارقو قلوبهم وأعضائهم؟ من هم الذين أداروا ظهورهم للقيم ومعاني الانتماء وهم ينشدون في كل صباح ويتملقون بكلمات عن الدين والقيم والأخلاق، مما يجعل المتلقي في حالة تخبط، فمن نصدق ومن نكذب؟ الجميع تحت هذه الأضواء طيبون، الجميع هنا أنيقون بما لا يكفي للاعتراف والصدق، للحديث عن مواجعنا وعن المرتزقة والمستفيدين من استنزاف ثرواتنا، ومن تهالك أمتنا ومن تشريد أبنائنا.
الجميع طيبون قادرون على إعفاء أنفسهم من هول المسؤولية التي ندفع ثمنها كل يوم يمر تشرق فيه الشمس على عالم عربي حزين موجوع تكاثرت عليه سكاكين القتلة، أولئك الذين وقفوا بعيداً خلف أطماعهم وهم يرقبون حالة السقوط والنزف المستمر ويوقِّعون على إخلاء مسؤوليتهم وهم يخرجون ما بقي من الرئة العربية من مستشفى الأمل وهم يدَّعون البراءة ويتشدقون بالقيم وبدماثة الأخلاق.

الأربعاء، 2 نوفمبر 2016

شر البلاد


الصداقة وطن.. فجميع التعريفات التي تتضمنها هذه الكلمة تتطلب كل شروط المواطنة من الديمومة والصدق والثقة والنقاء والأبدية التي لا تحتمل القسمة على الغدر والتخلي.
وهذه الكلمة تستوجب كثيرا من المعايير التي لا يمكن أن تدركها فنون التعليم والتلقين المدرسي والأسري والنظريات الفكرية للفلاسفة لأنها تأتي فطرية لأناس يتلاقون على سطور المودة ليكتبوا ذات الكلمات وبقدر ما يمكن أن تحظى به من مقومات عندما تحصل على الصديق أو الخل الوفي الذي اعتبرته العرب من ثالث المستحيلات التي تأتي بعد «الغول وطائر العنقاء» فنحن لا يمكن أن ننكر وجود نماذج مميزة من الأصدقاء كما لا يمكن أن نتجاهل السيئة منها كما أننا لا نستطيع أن نتوقف عن ممارسة فعل الصداقة، مهما اختلفت الظروف وتوالت الصدمات من غدر بعض الأصدقاء أو تخاذلهم وتنكرهم، نظل متطلعين إلى علاقات الوفاء والأمل التي لا نستطيع أن نلقيها من نافذة القطار لنظل محكومين بالإقامة الجبرية في سجن التذكر لكل التفاصيل الصغيرة التي عشناها على مقاعد الدراسة بأناملنا الصغيرة ومآقينا التي تلمع بالأمل وثيابنا البسيطة وعندما كبرنا تغيرنا صرنا أكثر أناقة ولباقة وقدرة على إخفاء عيوبنا وبقع ثيابنا.. أصبحنا قادرين على الغياب وعلى إيثار أنفسنا وتحقيق رغباتنا بقناعات غريبة تقول لنا دائما إن لنا الحق في فعل الغياب والتنكر في أن نبحث عن مصالحنا حتى وإن تحولنا من أصدقاء إلى أعداء لنفاجأ في كل عام بتساقط مزيد من الأصدقاء بعضهم يسقط من القلب أو من الذاكرة ويذهب إلى سلال النسيان وبعضهم يسقط من العين ولذلك اعتبر الحكماء عداوة الصديق من أشرس العداوات ففي العبارات الحكيمة القديمة دروس عندما قالت: اللهم اكفني شر أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم وفي قول الشاعر احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة ذلك لأن هذا الصديق يعرف مكامن قوتك وضعفك ويعلم كيف يمكن أن يصيبك في مقتل وهذا ما يستدعي أن يظل الإنسان حذرا في أقرب العلاقات التي يمكن أن تتغير بفعل المصالح وتبدل النفوس والظروف التي قد تحول العدو إلى صديق والصديق إلى عدو وهذا ما يجب أن نتعلمه في دروس الحذر من أن نظل متيقظين كي لا نشعر بالخيبات ونحزن على الثقة التي ذهبت إلى غير محلها ونحاسب أنفسنا على معطيات بساطة التعامل وحسن النيات بعد أن أدرنا ظهورنا لنواجه أعداءنا ففوجئنا بالضربات تأتينا من موطن الثقة وتصيب ظهورنا لنعود بعدها إلى قارعة الانتظار يحدونا الأمل ليد أخرى تربت على أكتافنا لأصدقاء يشاركوننا خطى الظل ولا يتركوننا إذا ما حل الظلام.
يقول المتنبي:
شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بِهِ **
وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ.

جعلناهم مشاهير..

في قصص المشاهي عديد من المفارقات ومشوار طويل من التعب والكفاح والجد والتحمل يتكلل أخيرا بتاج الشهرة بينما يحصل بعض المشاهير الذين صنعتهم وسائل التواصل الاجتماعي من المفلسين على شهرة سهلة استطاعوا من خلالها أن يتقاسموا سلالم المجد مع المبدعين والمميزين وذلك ليس بجهودهم ولكن بوجود جمهور من الداعمين الذين جعلوا منهم أشخاصا معروفين ومهمين نتيجة لمتابعة ما يقدمونه من برامج تصل إلى درجة الحمق والتفاهة مما يجعلنا نخاف على قدرتنا على تقييم مثل هذه التوجهات والتعرف على إمكاناتنا العقلية في التمييز بين الإبداع والتقليد والغث والسمين وهذا الأمر جعل ناشطين عبر وسائل التواصل الاجتماعي في كل من أوروبا وأمريكا، يقودون حملة على خلفية عبارة كُتبت في أحد شوارع أمريكا تحت هذا المعنى «توقفوا أو لا تجعلوا من الحمقى مشاهير» وهذه الحملة تهدف إلى تجاهل السذج والمفلسين الذين يقومون ببث مقاطع تهريج وابتذال في سبيل تحقيق جماهيرية عريضة من خلال المتابعين خاصةً أنَّ هناك من يتلقى مثل هذه المقاطع الفارغة ويبثها عبر الشبكة العنكبوتية أو عبر وسائل التواصل كوسيلة للتندر والفكاهة وذلك يجعلنا نتساءل عن المجتمع في حال تزايد هذه العينات وسط غياب أو تغييب العقل والمنطق والتفكير الناقد لما يرون من تلك الحماقات، التي تطرحها شخصيات تريد أن تفرض ثقافة الإفلاس والتفاهة على المجتمع ليتم تناقلها دون أن يدرك المجتمع خطورة وصول هذه الفئة إلى منصة الشهرة وتصدرهم الأدوات الإعلامية خطورة، إننا جعلناهم مشاهير وألبسناهم زيا فضفاضا يتطلب منهم أن يقوموا بكثير من التزييف والتملق والنفاق حتي يستطيعوا أن يملأوا أماكنهم بعد أن تم نعتهم بألقاب لا يستحقونها مما يؤدي إلى تماديهم في تقديم التافه لزيادة رصيدهم الإعلامي وسط شعورنا بالدهشة من هذه الأساليب التي كانت تعتبر قديما من أهم أسباب نقد المجتمع ورفضه لمثل هذه التصرفات مما يتطلب توعية المجتمع والجيل الجديد بأهمية معرفة الفرق بين المبدع الحقيقي والمفلس والقضاء على مشكلة صناعة التافهين والمهرجين والحمقى وتصدرهم المشاهد الإعلامية أو الحد منها من خلال مؤسسات المجتمع من مفكرين ومثقفين وإعلاميين وأكاديميين وتربويين ودعاة وخطباء ومهتمين للتصدي لهذه القضية وجعلها من قضايا الرأي العام والحد من شرعنة ثقافة الإفلاس ودعم المؤسسات الرسمية لها والتوقف عن التعامل مع هذا المنتج كمتلقين لا حول لهم ولا قوة سوى النقل والقص واللصق مع تغييب العقل ولعل من أهم الحلول الناجعة هي التوقف عن متابعة هذه الحالات والتعقيب على تصرفاتها بشكل يوضح أنها ليست أكثر من خفافيش تظهر في الظلام وأنها لا تقدم سوى التفاهة والإسفاف والقدوة السيئة وأنها مفلسة في كل ما تقدمه من محتوى فارغ يجب أن نلتفت إليه بدلا من أن تصل هذه الفئة لتتولى قيادة أمورنا وتتحكم في مجريات إعلامنا وأدواتنا الإبداعية وتحولها إلى قنوات لرصد السخافات والتندر بها والبحث عنها وتغييب العقل الواعي والفكر المدبر.

سنرجع .. خبرني العندليب 

ما بين العودة واللاعودة مسافة تكفي لاستيعاب أغنية فيروز «سنرجع.. خبرني العندليب» فما بين اللجوء ورحلة الغياب والرحيل عمر كامل وأمنيات قد تحتمل وعود فيروز على مرمى لحظات من الانتظار أو على بعد عمر كامل قد ينقضي دون أن يتحقق الوعد.
فلم تكن فيروز وهي تغني حينها تعلم أن وعد الرجوع ليس مقتصراً على الفلسطينيين وحدهم وأنها تحتاج لأن تضع وعوداً أخرى لأمة بأكملها خرجت ولم تعد.
لم تكن تعلم أنها بحاجة لأن تقف شامخة من جديد لتعلن وعوداً أخرى أكثر يقيناً بالعودة لأطفال سوريا والعراق واليمن وأهلها الذين غادروا أحياءهم الدافئة وأمنياتهم الهادئة ولم يمهلهم الوقت لوداع أبواب ونوافذ منازلهم التي تداعت تحت ويلات القصف والدمار بعد أن نأت بهم المسافات وسلمتهم لمفاجآت أقدار لم تكن في الحسبان بعد أن انتقلت الأحداث إلى منطقة اللامعقول واللامنطقي وتجاوزت كل الأعراف المحتملة في حرب شرسة لم تفكر في كرامة الإنسان وفرضت منطق القوة وشريعة الغاب.
فلا عصافير يمكن أن تغرد تحت الركام ولا صفصاف يمكن أن يرفع رأسه عالياً وسط الرصاص ولا ياسمين يمكن أن ينمو في أحضان المنعطفات والشبابيك الدمشقية الحزينة فهذا الهجير أوقف كل الأحلام التي انتظرت غصن سلام واحداً يكفي لأن يقينا مواجع الغياب واللجوء وويلات التشرد أو ورق ظلال واحدة تكفينا شر الاحتراق وتبعدنا عن كوابيسنا المفزعة التي صرنا نتهرب من مواجهتها عندما يحين موعد نشرات الأخبار ويأتي تقرير حالة الطقس العربي الساخن وهو يلوح في الأفق هارباً من حمم الرصاص ولغة الألغام ومنطق القوى المتصارعة والفيتو المتطاير من مجلس الأمن من حالة التخبط التي كثر فيها المتنازعون على جسد بلاد الشام الأبية.
سنهرب حتى لا نرى انكسار السنابل تحت الركام الذي خطف منا لحظات الفرح وجعلنا ننتظر بصيص أمل يأتي من ثقب إبرة يعبر منها «حلم وطن» ستون عاماً ولم نرجع.. يا فيروز وفي كل يوم يمر نرى غيرنا يدخل معنا إلى مدرسة الوعود ليذاكر معنا كل معاني الغياب ويتهجى حروف اللجوء ونتعلم كيف نعبر إلى وطن عابر لم يستطع أن يتجاوز هذه التحولات الضخمة والانكفاءات التي تعيدنا في كل مرة إلى المربع الأول والحكم المؤبد بالاحتلال لجغرافية وطن عربي بأكمله يرفع رأسه من أمواج الغرق ليتنفس ويتنهد تنهيدة الإياب ثم يعود إلى الغرق.
نعم لقد ظلت معنا المفاتيح والأوراق الثبوتية وبعض من الصور القديمة لبيتنا الغافي على متن الغمام نعم لقد ماتت الحكايات البسيطة ألف مرة في خزائننا لكنها وعلى الرغم من مواجعها كانت تواسينا وتقنعنا في كل يوم بأننا أفضل ممن ذهبوا للموت دون مفاتيح ..وممن ذهبوا للريح دون مفاتيح .. وتقول لنا إن هناك وعداً من الله سيظل راسخاً بأن نعود وإن طالت الغيبات وعداً من الله أن نرجع ….وسنرجع.
يقول الشاعر هارون هاشم رشيد
سنرجع ..خبرني العندليب غداة التقينا على منحنى
بأن البلابل لما تزل هناك تعيش بأشعارنا
ومازال بين تلال الحنين وناس الحنين مكان لنا
فيا قلب كم شردتنا رياح تعال سنرجع هيا بنا.

أنسنة الثقافة


عندما تقف على حدود المسافة بينك وبين عقلك يمكنك أن تحدد مسارك وتصنع الشكل الآخر لهويتك التي تلاحق الزمن في عصر يقال عنه إنه «عصر الانفتاح» الذي يتطلب منك أن تعيد صياغة نفسك في قوالب مختلفة يقبلها عقلك أحياناً وقد يرفضها أحياناً أخرى بناءً على معطيات التجربة ومع هذا الزخم الشديد الذي أصبح يغطي عالمنا الشاسع بشبكة الإنترنت صرنا نملك ذات الطرق والتوجهات والأفكار المستنسخة وربما حالة من التشابه الذي يسطع أحياناً ويخبو أحياناً أخرى؛ فنظل نبحث عن حدود التفرد والتميز والإدمان أحياناً، ولم أستغرب رصد العلماء لحالنا مع هواتفنا الذكية التي أكدت أن المستخدم ينظر يوميّاً نحو 88 مرة في المتوسط للهاتف الذكي للتأكد من عدم وجود مستجدات، ويقوم بإرسال أو الرد على رسائل نحو 53 مرة في اليوم الواحد ذلك ما أكده الباحث ألكساندر ماركوفيتس من جامعة بون الألمانية، مبيناً أن قراءة خبر مثير أو تلقي رسالة من شخص نهتم لأمره -وهي أمور نتفقّدها بشكل يومي على هواتفنا- يحفّز إفراز الدوبامين ونشعر بالتالي بالسعادة ونصبح ميّالين إلى هذا الشعور الذي يمنحنا إياه إفراز هذا الهرمون.
ومن خلال تجربتي في مجال الدخول إلى هذا العالم الافتراضي الذي تحكمه القوانين المتعددة وقفت على عديد من الشراكات أو ما تسمى القروبات التي وضع منفذوها خطة محكمة لقيادة الدفة بما يعبر عن تعددية التفكير والوعي واختلاف المفاهيم ما بين كل شراكة وأخرى، ولأنني لا أريد أن أنزوي عن هذا العالم الذي أحبه وأرغب بالتعاطي المتوازن معه خضت هذه التجربة وعلى الرغم من عجزي عن إثبات حضوري بالبصمة اليومية في هذه المواقع وغيابي اللاإرادي عن حفلات الحديث والصخب اليومي، إلا أنني استطعت أن أنتمي إلى عديد من هذه المجموعات التي يتم فيها تداول الآراء والجمل والشعر والأدب والنكت والطرائف والأحاديث الهامشية المتنوعة، كما لاحظت وجود حالات من الانفلات وعدم القدرة على السيطرة في بعض هذه المجموعات، بينما تميز كثير منها بحالة وعي كبيرة قادرة على ضبط المحتوى والحفاظ على خط السير الذي رسمت له وهي تعبر عن تعدديتها بطرق مختلفة من التفكير والإدراك الذي يمكن أن يوجه خارطة الفكر الإنساني نحو الإبداع والإنجاز، وعلى الرغم من وجود بعض حالات التسيب والشغب وأحياناً قد تصل إلى الخلاف أو الاتفاق أو الشللية إلا أنني لا يمكن أن أنكر حالة من التقدم النوعي في استخدام هذا النوع من الثقافة التي يقوم صناعها على بناء فكر مختلف يقوم على المناظرات الأدبية وتبادل المقالات والوعي وفرض عقوبات على المخالفين لقوانين الحضور ضمن منظومة رائعة تتطلب دراسات اجتماعية وإنسانية بحثية تقوم على تطوير معطيات هذه التجارب الفريدة التي تخاطب عقل الإنسان وفقاً للمرحلة الجديدة وتقرب المسافة بينه وبين المعلومة التي صارت تصل في لمح البصر، ولعلني ألفت الانتباه إلى حالة كبيرة من الوعي التدريجي الموجه نحو «أنسنة القراءة والثقافة» وجعلها فاكهة يومية ونقلها من حيز الورق والمكتبات وحالة التغيب القسري للكتب وعزلتها على رفوف المكتبات إلى منطقة الوجود، ولعل ما ينقصنا هو لحظات التفكير النوعي في قوانين القص واللصق والتفكير لدقائق حول المعلومة وجديتها ومصدرها لاحتواء انتشار الشائعات والأقاويل التي قد تتسبب في تبديد جميع هذه الجهود وتحول هذه المواقع إلى ساحات للنقل اللامسؤول والخارج عن إطار الوعي؛ مما يؤكد أن التقنية بكل معطياتها وإفرازاتها الإيجابية والسلبية يمكن أن تتغير بالفعل الإنساني من خلال النظرة الواعية ووضع الخطط والأهداف الموجهة التي تنقلها من عالم العبث إلى الجدية المسؤولة والفائدة المرجوة في حال تطور فكر القائمين عليها وتضافر الجهود لردم الهوة بين القراءة والمعلومات وإخراجها من جب الغياب إلى الواقع بأمانة النقل ووعي السرد ودقة التلقي وتحري المصداقية لتتحول الثقافة إلى خبز يومي قابل للتعايش.

اخر التعليقات