السبت، 5 نوفمبر 2016

ضيوف الإنستجرام

ات
على مائدة الإنستجرام تطل عديد من الصور والمعلومات الرقمية التي تفانى أصحابها في نقل تفاصيل واقعهم الاجتماعي أو الاقتصادي بكل حرص ودقة، مستفيدين بذلك من معطيات التقنية الحديثة و «ثقافة الصورة» التي طغت، وعززت التوجهات لنقل الواقع الذي يحكمه تعددية الظروف، فوجد كل منا مبرراً لاستخدام هذه التقنية التي يتم التوسع في استغلالها يوماً بعد يوم في الترويج للسلع والبضائع والوجبات الغذائية، أو استخدامها لنقل واقع اجتماعي أو صحي أو اقتصادي معين، بينما تطور استخدام هذه الثقافة إلى نقل تفاصيل الحياة والخصوصيات، فصار من السهل على أي متصفح معرفة المعلومات الكاملة عن الآخرين، وعن أدق تفاصيل حياتهم، شكل منزلهم، وأثاثهم، رحلاتهم، وملابسهم، وجماعة الأصدقاء، وكافة الأمور التي تحكي عن أدنى تصرفاتهم وتحركاتهم والمطاعم التي يرتادونها واختياراتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، كما اتسعت دائرة استخدام الإنستجرام إلى ربات المنازل، ومختلف شرائح السيدات اللاتي حوَّلن هذا الموقع إلى ساحة تنافس، في عرض السُفر الرمضانية التي تضم الأواني الفاخرة، والمأكولات المتعددة، بهدف الاستعراض والتباهي، فالغيرة النسائية أنموذج يحقق عديداً من الأهداف، فعندما تشتعل النار من مستصغر الشرر تتساوى الأفكار النسائية في محاولة لإثبات التميز والتنافس في مجال الطهي، الذي يعتبر من أهم خبرات النساء، مما أثار حيرة الرجال في بادئ الأمر عن أسباب تطور شكل السفرة الرمضانية في بروتوكولات وطقوس التقديم واستنساخ طرق الطهي والتقديم المبتكرة إلى هذا الحد، وعن زيادة المصروفات الاقتصادية التي زادت العبء على رب الأسرة لهدف ساذج بأن يتم بث صور فنون الطهي على الإنستجرام لنبدو أكثر اهتماماً وتحضراً في نظر الآخرين، ولنبرز عضلاتنا واحترافيتنا في فنون المائدة لأهداف التباهي والتنافس، متجاهلين بذلك ما دعا إليه ديننا الحنيف من معان سامية وأهداف عظيمة للصيام، والشعور بالفقراء الذين يملأون العالم.
إننا لا نحتاج لأكثر من لمسة «تاتش»على أجهزتنا الذكية لنقرأ واقع إفطار الفقراء واللاجئين والضعفاء في العالم، والذي لا ينتهي جوعهم عند أذان المغرب، ولكنه قد يمتد إلى أيام من الجوع لا تنتهي.
ولعل المعلومات التي تحكي عن نِسَب الفقر والجوع في العالم كفيلة ورادعة لأن تشعرنا بما نحن فيه من خير ورخاء.
إنها لمسة واحدة فقط بتمعن لكل مجريات حياة الفقراء الذين يجتثون لقمة الخبز من «العدم» ومن أوراق الشجر ومن أكوام النفايات كفيلة بأن تجعلنا نسجد لله شاكرين بأن خصَّنا بالأمن والأمان في أوطاننا، وهي ميزة حُرم منها وتمناها كثيرون.
لمسة واحدة فقط تجعلنا نبادر لشكر العلي القدير أن حفظ لنا بلادنا من شر الحروب والفتن، وأن علينا أن نستشعر هذه القيمة الخطرة والمؤثرة، التي لا يمكن أن يشعر بها إلا من تشرَّد وشعر باليتم والضياع والجوع، وبات ليله ينتظر أن يسدَّ جوعه ولو بشق تمرة.

ما بين القصف الألماني والإسرائيلي


ما بين قصفين سقطت قذائف نوعية في مرمى البرازيل من المهاجمين الألمان فاشتعل العالم في تلك الليلة، وتشنجت شاشات التلفاز، ووقف العالم على قدميه ليشهد أقسى الهزائم، وسقطت أخرى على أحياء مدينة غزة الصامدة فاهتزت البيوت، وارتعشت القلوب، وضج المكان برائحة الدماء، وعويل الدخان، وذعر الصغار، وخوف الأمهات.
كان البكاء يملأ الملاعب بنحيب البرازيليين من المشجعين، فقد سحقهم الألمان بسبعة أهداف مقابل هدف واحد، في خيبة كروية كبيرة، وكان عويل آخر يملأ منازل الشهداء في غزة بعد جمع بقايا جثث الضحايا الذين وصلوا إلى المستشفيات مكومين لا يمكن أن تحدد هوية أي واحد منهم.
بعد اشتعال الصورتين في اللحظة ذاتها عبر وسائل الإعلام، وبعد أن بدأت غزة تحصي جراحها وتلملم شهداءها وترش الملح على ما تبقى من وجع ينتظر المواساة، كان الألم يُرخي بكل مواسمه على فلسطين الجريحة في عقوبة جديدة تضاف إلى ويلات الحصار، وإقفال المعابر، وحكايات سجن كبير يعيش فيه معذبون وفقراء.
هذا الوطن المرابط في ملاعب القتال، عقوبة جديدة تضاف إلى عقوبات الحرمان من الحياة ومن الطفولة، في انتظار لا يجيء، وأمل يمتد إلى آخر حدود الشفق، بلا غذاء ولا كهرباء ولا رواتب، في ملعب واحد للحياة وانتظار هدف واحد يجلب تفاصيل نهاية على مرمى وطن.
خرج البرازيليون من ملاعبهم خاسرين يمنُّون أنفسهم بجولة أخرى، وبكأس عالم آخر، وما خرج الفلسطينيون من إصرارهم على مواصلة النضال، وإن كانت الكرة في هذا الخريف العربي أصبحت مستديرة أكثر مما يجب، وصارت مراوغة وغير معروفة الأهداف، تركلها الأقدام في كل الاتجاهات، ولكن يظل يقين الفلسطينيين بالله أكثر من يقينهم بأي شيء آخر، يعيشون إصرارهم رغم امتداد ساحات النزال وتعددية الجمهور، يظلون واقفين على عتبات فلسطين رافعين أبصارهم إلى الله لنيل شرف العبور إلى الوطن، دافعين بأرواحهم أغلى الأثمان.
قصف على غزة، وآخر على أسدود وعلى مدن إسرائيل، ومع فارق القوة تطير كل المعاني إلى الأذهان، ما بين قصفين في مرمى البرازيل، ومرمى آخر أكثر ضراوة بقذائف قد تشبه ذات الكرة المستديرة التي ألهبت الملاعب والشباك، ولكن المرمى كان مختلفاً، كان مسيحاً بأجساد أطفال فلسطين ونسائها وشيوخها بلا ذنب غير أنهم فلسطينيون لا أكثر.
وما بين انتهاء الشوط الأول والثاني يمكن للمتجول عبر قنوات التلفاز أن يستريح من تشنجات القصف الأول ومن احتفائية الألمان بأهدافهم، لأن يلمح هذا الفارق بينهما من خلال عبقرية الصور واحترافية القنوات الفضائية الإخبارية، التي لا تحتاج لأدلة أو سرد حكايات مكررة لوطن لم تتعب منه الحكايات ولا الصور، لوطن أبيٍّ يقف على مرمى انتظار البطولات وتبدل الأقدار، لتهتز الشباك بتسديد أهداف نوعية في سبيل التحرير.

رمضان.. اللجوء


بعيداً عن الوطن والبيت يبقى كل شيء باهتاً، بارداً، مهاجراً إلى المجهول والظل، ملتحفاً السماء، ومفترشاً الأرض، باحثاً عن لقمة خبز على مرمى وطن، «ولا وطن»!
وبعيداً عن أوطانهم يظل اللاجئون باختلاف حكاياتهم وهوياتهم واقفين بلا ذنب ينتظرون بهجة رمضان – الغائبة – إلى أقصى رمق، ينتظرون حلوله وهطول لياليه الدافئة وحكايات قناديله وإشراقات الرحمة والمغفرة والعتق من النار أن تحل عليهم وهم يستذكرونه في زوايا قراهم وأحيائهم ومدنهم ومأكولاتهم الرمضانية وعاداتهم في التلاقي في لياليه.
«ومن اليمين
إلى اليمين… إلى الوسط
شاهدت مشنقة فقط».
هكذا قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وقال أيضاً:
«لا مفر…
سقطت ذراعك فالتقطها
واضرب عدوك بها
وسقطت قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي
فأنت الآن
حُر
وحُر
وحُر».
هذا الرمضان البديهي تعودنا على أبجدياته، ولذة روحانياته التي تجعلنا نستمتع بأن نعيش التجربة ذاتها في كل عام، محتفين بليالي العبادة والقيام، وبطقوس أوقاته ونكهته الخاصة، نكرر المشاهد ذاتها في ألفة وراحة، متبتلين إلى الله بأن يبلغنا رمضان المقبل ونحن في أمان وسلام، بعيداً عن ويلات الخريف العربي ومواجعه التي لم ترحم صغيراً ولا كهلاً، لم ترحم آلاف الأسر التي تشردت دونما مبرر لتدفع فاتورة الاختلافات والمنازعات.
فجاء رمضان آخر على اللاجئين الذين يعانون ويلات التشرد والاغتراب، والحياة في المخيمات، وكأن التاريخ يعيد نفسه في كل حكايات التشرد والخيام، ووكالات الغوث السيناريو المكرر في مثل هذه الحالات.
فرمضان هذا العام لم يعد متوازياً مع الماضي كعادته، جاء متعباً في هذه المرحلة متألماً لحال آلاف الأسر التي تعيش حياتها في صحراء من الثلج على حواف الانتظار، جاء مختلفاً، يحمل معه أوجاعهم ودعواتنا ومواساتنا، كما يعكس مشاعر مختلفة لمن يعيشون خارج منازلهم وأمانهم واطمئنانهم، بعيداً عن دفء أوطانهم وأمان وسائدهم، وعن لحظات تجمعهم على فطورهم الذي جهزوه من قوت الأمنيات، وشعورهم بالالتفاف حول موائد الرحمن وقت الإفطار، لقد أصبح ذكرى لزمن يتمنون عودته بلحظات تجمع الأسرة على صحون الكنافة والقطائف وبلح الشام وخبز الطابون، يتمنون أن يعود حنوناً محملاً بفرح فوانيس الصغار، وبراحة الأمهات والآباء وشعورهم بالأمان والاطمئنان على مستقبل أبنائهم.
إنه الموسم الرابع من رمضانٍ مفقودٍ يبحث عنه اللاجئون وكأنه ملاذ يلتفون حول أغصانه، متشبثين بطرف رغيف خبز من ذكريات وطن هو أبجديات الحياة، إنهم يحتاجون إلى دعائنا بتخفيف هذه المحنة عنهم، ومساندتهم للعودة إلى رمضانهم الذي اعتادوا أن يعيشوا في ظلاله الوارفة، حتى لا يظل رمضان غريباً عنهم، يفتشون في أروقته عن ذواتهم الغائبة.

قناديل رمضان


لياقات رمضان العالية ترف آخر، ولحضوره مراسم تزدهر بالأمنيات، فكلما مرت الشهور نعود في كل عام لنشعل قناديل لياليه الماتعة، ونتذكر طفولتنا عندما كنا نعبر طرقات القرية محتفين بهطول أمسياته في مواعيد مع ذكريات بساطة الحي، وتلاقي الأهل، ومدفع رمضان، وألعابنا البدائية، ولحظات تبادل الوجبات، والتمر قرب الأذان، وجو مفعم بالتآلف والمحبة، وتقاسم أرغفة روحانيات هذا الشهر بيننا.
فكلما اقترب منا رمضان بدأنا في وضع أجندة للتفرغ للعبادة وقراءة القرآن، وترك مساحة للروح كي ترتشف من رمق هذه المشاعر التي تحييها لياليه، ولكي نكون على موعد مع مراجعة النفس واستغلال روحانية الشهر في التطوع لفعل الخير، ولكننا بقدر ما نحتاج إلى التقرب إلى الله وكسب المغفرة والرحمة والعتق من النار والخلود إلى ممارسة الطاعات، بقدر ما نحن بحاجة إلى مراجعة علاقاتنا الإنسانية الأسرية والاجتماعية، وخلافاتنا وحالات القطيعة والتنازع، كون هذه العبادات وحدها لا تكفي لتحقيق الحكمة الربانية من هذا الشهر، وإنما يجب علينا أن نعيد النظر في عديد من الخلافات التي فرضها علينا تطور الزمن وتعقيد فكر الإنسان، واختلاف وجهات النظر، والتغير في خارطة التفكير لدرجة جعلت القطيعة والخلافات – التي لم تقتصر على العلاقات السطحية، وإنما تجاوزتها إلى إطار الأسرة الواحدة بين الأشقاء والأرحام، وانتقلت إلى دائرة أوسع بين الأصدقاء والأقارب، ودخلت في منحنيات كثيرة – تتطلب وقفة صادقة مع الذات وسؤال أزلي مُلحّ… إلى متى؟؟؟
إلى متى سنظل غير قادرين على التسامح والتلاقي؟ ومتى يمكننا تجاوز الهفوات والوصول إلى ثقافة التغاضي؟ ومتى يمكن أن نعتبر رمضان فرصة سانحة للتخلص من العادات السيئة كالتدخين، والإسراف في الطعام والشراب، والإهمال في أداء الصلوات في وقتها، والشح والبخل، وقطيعة الرحم، والقسوة على الفقراء والمحتاجين؟ وأن يتحول هذا الشهر إلى موسم للتغيير لتصفية القلوب والنفوس من الضغائن والخلافات والعودة إلى طاولة التلاقي والتآخي، وتجاوز الأخطاء؟
كوننا جميعاً غير معصومين من الخطأ، وبحاجة إلى حالة الألفة في عوالمنا الصغيرة أو المتشعبة حتى لا يمر هذا الشهر دونما منجزات حقيقية على صعيد العلاقات الأسرية والإنسانية، وألا ننتظر لعديد من المواسم الرمضانية كي تشفع لنا تجاوزاتنا وأخطاؤنا، حتى نستطيع أن نجلس أسرة واحدة يجمعها طبق الأخوة والتسامح؛ ليكون هذا الموسم شفافاً وروحانياً بما يكفي لكي نتصالح مع أنفسنا أولاً ومع الآخرين، وألَّا تظل أجندة رمضان معبأة بعناوين الدراما الرمضانية والبرامج التليفزيونية، والتهافت على شراء المواد الاستهلاكية، والبحث عن أشهر المأكولات ووصفات الريجيم والأزياء والأواني وطرق تقديم الأطعمة المبتكرة؛ لأن هناك ما هو أهم من ذلك كله… إنها الذات الإنسانية التي تحيا بالمحبة والتآخي وتهنأ بالصفاء والتلاقي.
مبارك عليكم شهر الرحمة والغفران.

بلُك... دوت كوم


بقدر ما هيأت التقنيات الحديثة أهم أساليب التلاقي بين فئات المجتمع عبر وسائل التواصل الاجتماعي من اتصال، ورسائل نصية، وواتساب، وأخرى، بقدر ما تعرضنا جميعاً إلى هجمة شرسة من الجهات الدعائية، التي قامت باستغلال قوائم الأرقام الخاصة بنا، لتحول أجهزة الهاتف المحمول إلى مزاد وسوق للرسائل الدعائية دون استئذان، أو احترام لخصوصية المستفيدين من هذه الخدمة، وانتهاك خصوصيات الآخرين برسائل قد تصل في أوقاتٍ غير مناسبة، مسببةً إزعاجات للمتلقين أو إشكاليات أسرية بسبب تواتر إيقاعات الرسائل، ما يؤكد أنه قد تم التواصل مع شركات الاتصالات لبيع أرقامنا الخاصة والاستفادة مادياً من هذه المعلومات، ما اضطر عديد من مستخدمي الجوال إلى استخدام المنقذ «بلُك دوت كوم»، لحماية أنفسهم من سيل الرسائل المتتابعة، مثل بيع عقارات وتخفيضات المفروشات والملابس والمستشفيات… وغيرها من وسائل الدعاية.
كما استفاد هؤلاء من استخدام هذا النمط في حجب الاتصالات، وإيجاد فرصة إغلاق نوافذهم التقنية في وجه مَنْ يتسبب في مضايقاتهم من المعاكسات الهاتفية والمحافظة على خصوصياتهم، وإلى فرض قطيعة تقنية مع الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل في التحاور معهم، ولعلني كثيراً ما تساءلت عن أسباب عدم وصول رسائلي إلى بعض الأشخاص الذين قرروا أن يقوموا بعملية «حظري» وإلغائي من أجندة اهتماماتهم، وأعتقد أن غيري أيضاً تساءل عن أسباب استخدامي لهذه الخدمة لإنهاء علاقتي بهم بطريقة سهلة، تقطع دابر التواصل وتلغي العلاقات، من خلال هذه التقنية التي كان لها دورٌ كبيرٌ في تواصل بعض الأشخاص أو إلغاء التعامل معهم، لأسباب فرضتها علينا هذه التقنية التي لم نعد نعرف إن كان ما نحصل عليه من تقدِّم فيها هو ميزة أم ضريبة ندفعها كلما شعرنا باختلاف وجهات النظر أو الخذلان، أو عدم القدرة على التواصل.
إن ما نحتاج إليه هو إيجاد بنية تحتية لمشاعرنا ولعلاقاتنا، تسمح لنا بالتعاطي مع هذه التقنية التي فتحت الأبواب على مصراعيها للتواصل بجرأة مختلفة جعلتنا أحياناً نصل إلى حد الثرثرة، وأحياناً أخرى إلى حد الصمت أو الخلاف، إنها أبجدية جديدة يجب أن يتم بناؤها بطرق مختلفة لثقافة الحظر، ومتى يمكن أن نطبِّقَها بعد استنفاد كل الحلول لاستمرار العلاقات، وتركها كآخر حلٍّ لفصول العلاقة عندما تـُثبت عدم جدواها، وعدم القدرة على استكمال مسارها، إنها أبجدية جديدة في بناء العلاقات، ومحاوله تفعيل التواصل الاجتماعي من خلال معطيات هذه البرامج، وأيضاً الاستفادة منها في التخلص من العلاقات غير المجدية، التي لا تحقق للإنسان أي تقدم، والتي يصبح التخلص منها أمراً ضرورياً وحتمياً حتى يمكن للحياة أن تستمر في مسارها الصحيح.

مهمةخاصة جداً


عندما قرأت خبر تكليف مخبرين رجالاً ونساءً من قبل لجنة الرقاة بمحافظة خميس مشيط، لتقصي أوضاع الرقاة في مواقع وجودهم، ومتابعة مخالفاتهم مع تعدد ضحاياهم، تذكرت زيارتي الميدانية لتغطيةٍ اعتبرتها «مهمة صحفية خاصة» لرصد هذه المواقع وما فيها من أحداث ومغالطات، والتي غالباً ما تكون في مواقع مهجورة، في جوٍّ تسوده الريبة والخوف، فعندما وصلت إلى المكان المحدد لم أكشف عن هويتي الإعلامية، وقررت أن أتقمَّص دور طالبة العلاج.
كانت رهبة المكان أول سطور الحكاية، كما برز المراقبون السريون وهم يتابعون دخول الناس إلى مواقع الراقية، ظاهرين جلياً دون الحاجة لوضع ثقب في جريدة يختبئون خلفها كما هو الحال مع مخبري الأفلام المصرية.
كانت السيارات تملأ المكان، ولوحات من دول الخليج العربي، بما يؤكد سعي الإنسان لأي بارقة أمل في الشفاء من أوجاعه ومتاعبه عند شعوره بعجز العلم أمام حالته، ورغبته في تفسير كل ما ينغص حياته، مما يجعله يقطع الفيافي والقفار ليجد شفاءً لحالته.
كان المكان منزوياً في أحد أطراف مدينة خميس مشيط، ويضم مواقع للرجال وأخرى للسيدات، تجمعت فيه أكثر من 300 سيدة، في عالم آخر تصمت أمامه كل الأقلام.
وقفتُ أرقب من طرف الباب بكاء نساء يستمعن لآيات الرقية الجماعية في حالة هستيرية من الانفعال، وضرب الرؤوس بالجدران، والتقيؤ، مما جعلني ألتصق بالمدخل خائفة أترقب، وأنا أراود نفسي بالعودة أدراجي، وأخيراً قررت أن أختلس المعلومات من الجالسات بقربي وهن يتحدثن عن تجارب مريرة مع بعض الرقاة ممن يستخدمون الضرب بالأسلاك الكهربائية أو الخنق بالأيدي أو العصي، بهدف إخراج الجن والمس، كان المكان مهولاً لدرجة شعوري بأنني أعيش كابوساً مفزعاً.
خرجت لا ألوي على شيء، ولم أستطع تلك الليلة أن أكتب حرفاً واحداً، وانتظرت لأجمع شتات نفسي متسائلة عن حجم ثقافتنا حول الرقية الشرعية، وعمَّا ورد فيها من نصوص وأحكام شرعية، وعن أهمية إلحاق مواقع خاصة بالرقية في المستشفيات للاستشفاء بالقرآن الكريم، بدلاً عن الدخول في تجارب مع رقاة جميعهم يتحدثون عن مقدرة خارقة في فكّ السحر، والتخلص من المس، مع وجود رقابة من الجهات المختصة على هؤلاء الرقاة بطريقة تحدد لطالبي هذا النوع من العلاج الموقع الصحيح والعلاج الأمثل، بعيداً عن الشائعات والأوهام.
إنها رؤية جديدة بدأت بها لجنة الرقاة في محافظة خميس مشيط للحدِّ من مخالفات الرقاة، وخاصة مع السيدات، أو بعض المدَّعين من السحرة وغيرهم.
إنها فكرة رائدة تحتاج إلى تكثيف ودعم، لتُعمَّم التجربة، ومساندتها بالتوعية بثقافة الرقية الشرعية وأصولها حتى لا نتحول إلى ضحايا بدلاً عن الاستفادة منها.

حضرة المواطن «صحفي»


تبنى عديد من المواطنين في ميدان الحياة دور الإعلاميين، فنقلوا الأحداث ببراعة ومصداقية وثقة، وجنَّدوا طاقاتهم لرصد المخالفات والفساد والمحسوبيات على أرض الواقع، مستفيدين من مميزات التقنية الحديثة التي صارت تنقل الحدث وتوثقه بسرعة البرق، في احترافية صادقة، ويقين مفعم بالأمل في التغيير والارتقاء، ونقل الصورة الحقيقية للواقع، وفي تطلُّع لوضع الحقيقة تحت مجهر المسؤولين وهم يشيرون بأصابعهم «هذا هو الحال… يا من تنشد عن الحال».
فحضرة المواطن صحفي صار يشعر بمسؤولية التغيير والمواطنة الحقة، وبأهمية صوته في تحسين حياته وتطويرها، صار يعرف دوره في نقل الحقائق وإثباتها بالسبل والأدلة كافة، هذا المواطن البسيط أو المتعلم لم يتخرج من أكاديميات الإعلام ولم يعرف معنى مهنة «المتاعب»، ولم يعاصر صحافة (الفاكسات) والمعاناة القديمة التي تعرفها مذكرات الإعلاميين، ولم يتدرب على الأسئلة الإعلامية الـ5، ونظرية عضة الرجل للكلب، والهرم المقلوب، وإنما تعلم أبجديات الصحافة بالفطرة، وعرف كيف يستفيد من معطيات التقنية، بعد أن جند نفسه لشراكة يكون فيها جندياً مجهولاً في ميدان الحياة، يشعر بدوره في رقابة واقعية على الطرقات التي يسير فيها، والقرى التي أنهكها غياب الخدمات وهموم الموظفين وطوابير العاطلين وتطلعات الخريجين، والحقوق التي تحتاج من يعرفها ويطلبها ويدافع عنها في إصرار على استرجاعها.
إنني مدينة برسائل شكر بلا عدد لجنود الميدان الذين لا يضعون أسماءهم على الأخبار والتحقيقات والتقارير على الرغم من كونهم أول من جلب حقائقها، وخطَّ سطورها، وكانوا سبباً في أن يكون لأي إعلامي حرف يلمع كالنجم، يوقده هذا الجندي الذي أشعل جذوة الحقيقة، ونقلها بصدق دون أي مقابل سوى أن يرى الحقائق ساطعة، وأن يزهو بمشاركته في رسم خارطة مضيئة لوطنه الذي يتمنى أن يرمِّم كل إشكاليَّاته ليسعد فيه هو وأبناؤه، ولمواطن يتحسس هموم واقعه والظروف كافة بعين ثاقبة وواعية، تعرف معنى توثيق المعلومة ومصداقية الخبر وأخلاقيات المهنة، فيقوم بتقديم هذا الدعم الخطر بشكل مجاني وبلا مقابل، وكأنه يتقاضى من أي إنجاز أو تغيير حصته من الأرباح، يتشارك فيها مع أبناء وطنه.
فيا أيها الإعلاميون: شاركوني في صياغة خطابات شكر لجنود الحقيقة فهم أول سطورها، وكل معاني تغييرها.
شاركوني في الاعتراف بهذا الفضل، وتسديد فاتورة الأخبار والتقارير التي تشاركنا فيها، مع شعور مواطن يسعى إلى فرض رقابة مجتمعية على واقعه، وتقييم معطياته كافة في تساؤل منطقي عن معاني المواطنة، مما جعلني لا أفكر لحظة في تكذيبه لأنني أعرف أن صاحب هذا الفعل الإعلامي يحمل هوية وطنية، تتطلع إلى استرجاع الحقوق غِلاباً بعيداً عن التمني.

اخر التعليقات