الثلاثاء، 23 يناير 2018

أنه اللاشئ


عندما تريد أن تعقد صفقة تصالح مع مخاوفك، عليك أن تدعوها إلى فنجان قهوة على ناصية زجاجية في مقهى بعيد لترمقا حروف الارتجاف الذي يسكنك وأنت تبحث في جداول المجهول عن مبررات تستوجب معرفة كل أسئلة الخوف الذي يعتريك و أن تدقق في محتواك وتجيب على كل ارتطامات المساء الذي جعلك تسهر ليلة طويلة تواسي فيها مخاوفك وشرودك ذلك الذي ينبت في اختلاف المخاوف ما بيننا فلكل منا حزمته الخاصة التي يهرب منها بالانشغال وبالتجاهل ولكل منا قصته الخاصة مع معزوفات الخوف في حكايات الصدى المرتد الذي يسكن هوامشنا خلال النهار ويستيقظ في المساء لينهش السكون الذي يتوغل في أعماقنا وعندما نريد أن ندرب أنفسنا على مواجهته علينا أن نقرأ “كتاب الخوف ” لنعرف مم ولماذا نخاف!؟ وأن نجد طريقة لمواجهته وسحب ظلاله من جدراننا و تحويله إلى حالة مزمنة يمكن التعايش معها والتخلص من سيطرته على حكاياتنا المهملة والاستفادة من مزاياه في تحفيزنا وتحويله إلى طاقة إيجابية لتحقيق النجاح والتوقف عن صعود سلالم الدخان بعبارات مخاوفنا المتوارثة وأن لا نعطيه فرصة أن يحرمنا من الهدوء الذاتي لكونه قادما من عالم مجهول نخاف من انقضاضه علينا، فعندما فكرت في خطة للتصالح مع مخاوفي قررت أن أتشارك معكم فكرة تقمص قصص الخوف من المجهول الذي لو عرفناه لتوقفنا عن “فعل الخوف” لقناعتي أن تحقق المخاوف وحصولها أهون من انتظار اللاشيء فيها، فهل يمكن أن يكون الخوف إيجابيا وضروريا لاستمرار الحياة؟ ومن الذي يعيش دون خوفه؟ ذلك الشبح الذي نصنعه وننسج تفاصيله اختياريا خلال رحلة غموض الأسباب ونحن نولم له سجوننا قبل أن نقرر أن نفعل ما نخشاه ونطرد ذلك المارد الوهمي من شظايانا عندما نربيه فينا، فكل منا يختار سجنه العالي بينما يمكنه أن يختار القناعة بأن للخوف مزاياه في القرب من الله وتقواه وقيمته في تحقيق الإنجاز.
وذلك عندما نبدل طريقة التعاطي معه بلغة أخرى للخروج بمنتج إنساني آخر لا يندرج تحت طائلة التناسي والتهرب مع البعد عن ترديد رتم المخاوف وتحويلها إلي نبراس يحقق التميز مع الاحتفاظ بفارق وجهات النظر عن تأثير النظرة السلبية للخوف على كافة المعطيات.
إنه اللا شيء الذي نحوله إلى هواجس تلاحقنا وتنغص علينا أجمل اللحظات بل إنه قد يؤدي إلى الوقوع في فخ التلبس لصناعة مارد من الوهم الذي يعترينا بينما نتمكن أخذ قطبه الإيجابي في التعامل السوي لتحقيق مشاعر السلام مع الأشخاص والأشياء وذلك يبدأ من تتبع مخاوفنا والوصول إلى قناعة التحاور المنطقي معها للوصول إلى الهدوء والسكينة التي يمكن أن تحقق نقلة نوعية في بناء الشخصية وإثرائها بخطاب ذاتي حول أسوأ ما يمكن احتماله ووضع إجراءات احترازية تحقق نوعا من الشعور بالاستعداد لانقضاض مشاعره السلبية علينا ووضع خطة طوارئ لكافة الاحتمالات والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب حتى تتحقق الطمأنينة بذكر الله “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”.

جرة ألم ..

جرة ألم ..

عندما قررت أن أكسر جرة أوجاعي أخيرا وفي تلك الليلة وأن لا أعود لوسادتي الخالية لأترك لها رأسي لتدوزنه على إيقاعنا العربي الغافي على ناصية شرود وسائدنا الخالية، شعرت بالارتياح كثيرا أني أصبحت قادرة على النوم دون أن يعبث الضجيج برأسي كما كان يفعل كل ليلة وأنا أفكر فيما لي وما للناس وفيمن يجرحون بلغة اللسان أو بجرة قلم وفيمن يقدرون على الظلم وإيذاء الآخرين ثم يستطيعون الذهاب إلى فراشهم بعد أن يكونوا قد ارتكبوا مجزرة في مسجد أوفي طريق فيمن نسوا ماهية الإنسان وصار لديهم قدرة العبث مع الوحوش الضارية التي أخرجتهم من كينونة الإنسانية إلى شراسة الوحوش، فما هي الرسائل التي تكفي لإعادة هؤلاء إلى درجة حرارة الإنسانية؟
لقد كسرت الجرة التي لم تعد تتحمل أسئلتي ولا الإجابة عن سؤال واحد هو كيف؟ كيف تتحول القيم والدين والمعاني والمبادئ ولغة الحوار إلى دم أبرياء مسفوح على طريق أو ويلات مظلومين يرتجون العدالة “بجرة قلم” وألف كيف وكيف،
لقد كنت في كل ليلة أضع شريحة اللامنطقي واللامعقول فيما يجري حولي في محاولة الدخول إلى جدلية الاستيعاب التي تجاوزت الربيع العربي الدولي إلى ربيع ذاتي يضج في داخلي ويكون قابلا لاستيعاب أن ما يجري هو فعلا حقيقة وإنني لابد وأن أناقشها مع نفسي حتى أستطيع أن أتقبلها تدريجيا ضمن أطر وترتيبات فكرة التنازل التدريجي والتأقلم في الحقيقة.
أنا لم أكن أريد أن أكسر تلك الجرة لأنها كانت تشبه النبض في رأسي وكانت تذكرني في كل أوقاتي أنني بحاجة لأن أفرغها وأنثر ما فيها على خارطة الواقع لأعرف مكاني من بوصلة الحدث، الذي يقول إننا تغيرنا كثيرا في مسألة التقبل والتغيير والانسجام عندما قررنا أن نناقش أنفسنا في سنوات من الأفكار المزمنة التي سجنا أنفسنا فيها دون أن نتساءل عن ماهية هذه القناعات وعن أسباب تلبسنا بها.
ولكني وعلى الرغم من أهمية تقبل أفكار التغيير إلا أنني أشعر أن هناك فارقا كبيرا بين تقبل التغيير وبين تقبل الجرح والندوب التي أصبحت تتكاثر لتشوه نشرات الأخبار رويدا رويدا لتجعلنا بلا حيلة أمام فكر يشوه الإسلام ويجعلنا جميعا تحت خط الدم الأحمر وتقبله على شاشات التلفزة كأمر غير ممكن السيطرة عليه “انكسرت الجرة” وتناثر ما فيها من الألم على مفرشي، الذي كنت أظن أنه سيظل ورديا وأنني سأتمكن من أن أورثه كتركة لأبنائي ليضعوا في ماء الحياة المثلج الذي يكفي لكل عربي ومسلم أن يشرب من معين تركة ديننا الإسلامي الذي نبذ القتل والعنف والإرهاب وحرم سفك الدماء ووضع حرمات إنسانية لحماية البشر من الظلم والاعتداء ودعا إلى السلام والاعتدال “انكسرت الجرة”، فكيف يمكن أن أجمع ما تبعثر من ذاتي وقلبي المتناثر الذي يغص مع كل قطرة دم عربية دون أي مبرر، وتحت شعار دين هو موجود ليكون رحمة للدنيا بأسرها.

مع القدس ..لست وحدك


نصف كأسك فارغ والجرح يملأ نصفك الثاني ومن خلف الزجاج ترى الحكايات كلها وأنت منسي في أحد أطراف العالم فلا أحد يمكنه أن يحملق في لجوئك أو في غيابك أو حضورك  فأنت حر في مشاعرك التي تطلقها كالعصافير التي تنقر على شبابيك المكان ويرتد إليك صداها “حر” لترتدي بعضا من لا مبالاتك أو لتعود لاهتماماتك  لا.. لست وحدك ! فعندما يكون هناك الملايين ممن يشاركونك ارتشاف قهوة القدس على منعطف النبض العربي لا يمكن أن تكون وحدك فهم يجلسون هنا وهناك يتفقون أحيانا ثم يختلفون ويتراشقون بما بقي من ثرثرة  فناجينهم فكلهم أبناءها لكن في ضمير كل منهم وجع ومسؤولية يريد أن يلقيها على عاتق الأخر ليثبت أنه الأوفى بينما يعرفون جميعا أنها أكبر وفية  للتاريخ وللحضارة وللجدران ولأحجار الشوارع ولسنوات طويلة مرت وهي شامخة فوق كل القصص والتحديات وذلك ما يجعلهم  عندما يذهبون إلى الفراش يستعيدون الحقائق ويدركون أن التنكر بالحروف لا يلغي النبض الذي يعيش في قاع وجدانهم العربي الصادق  فيتذكرون ويعتصر القلب غصة خفية قد لا يتحدث عنها البعض عنها  لأن رقة المشاعر وارتفاع درجة حرارة التأثر قد تكون نقطة ضعف لدى أولئك الذين يرون أن القوة في الرفض والتنكر  حتى لا يعرف أعداءهم  أن الضربة هذه المرة جاءت في مكان الخيبة و الجرح والمقتل القديم الذي يتجدد كلما رشوا الملح على الجراح النائمة.
 ولا تقلق على مشاعرك التي لم تعد تحتمل المشاهد المكسورة  التي ارتطمت بها ولا عن محاولة تغييب ذاتك خلف أشياء تافهة والاعتماد على ذاكرة الغياب وإيجاد كل المبررات لحدوثه لكثرة الخذلان في هذه القصة وتزايد أبطالها الذين ملتهم الصحف ونشرات الأخبار.
 أنت لست وحدك طالما هي معك ستتذكر منارتها وأقصاها وقبة الصخرة وبعض تراتيل من القران وحكايتها مع الأديان السماوية وروح الأنبياء ترفرف في المكان.
وحائط البراق ومسجد عمر وقد تؤنب نفسك أنك أرخيت أذنك لبعض الذين قالوا لك أنها لا تستحق الحياة وأنها يجب أن تنسى ككل اللحظات والقصص  العابرة تلك التي حرضتك على إلى أن تعود إلى  حياتك الطبيعية وانشغالات عملك وأطفالك بينما هي تنتظرك هناك في مواقيت الوفاء للمواعيد كي تتذكرها  لكونها  قررت أن لا تنساك وأن تعود إليك كلما جد في الجرح .. جرح   ستعود إليك من جديد  لتذكرك بما انغرس في وجدانك ويقينك كشوكة رقيقة في القلب يصعب عليك أن تقتلعها لكونها متوجة بالتجلي ولأن فيها بعضك بل كلك الذي تعتبره قوتك وشموخك وكيانك الذي تريده كالنسر أن يحلق عاليا بالقرب من وطنك كي تزهر في العين قرة الحياة  وأنت تحكي لأبنائك عن لحظة صدق جاءت لتثمر زهوا  فوق فوهة الهاوية  لخطوات دقت خطاها على الأرض بصدق الوفاء  لهذه القبة الحرة كي تعانق سحاب السماء .لا لست وحدك وستظل تتذكرها عندما تصحو لترتشف قهوتك أو لتناقش أولوياتك وخلفيات رفضك وقبولك وستناقشها مع نفسك وقد تعتب على من قالوا لك أنها يمكن أن تمر كالرمح في ذاكرتك وأنها أصغر من الانشغال وأقل شأنا من الانطفاء  وأن ذاكرتك تشبه ذاكرة الأسماك التي تختار أيقونة النسيان دائما وأنك ستضعها في قائمة التأطير في بحور الشعر وكتب التاريخ ومع الصور العتيقة فوق الرفوف المكررة والمنسية على الشفق الأخير أو أنها ستصبح  ككل خيام البدو التي تغيب وتعود بشكلها التلقائي الحنون تارة والمتصحر تارة أخرى وستظل في وجدانك إن رضيت وأن أبيت لأنها أكبر من وشوم الذاكرة انها ضميرك الذي لأيمكن أن يتركك وحدك

في مدرسة الملهمين

في مدرسة الملهمين
قد يتحول البعض في حياتنا إلى سطور تنبض من كتب الإلهام أولئك الذين يمكن أن نستقي من تجاربهم وإيجابيتهم معانٍ جديدة، ونبراساً يمكن أن نهتدي به ونحن نسلك طرق الحياة الوعرة "إنهم الملهمون"، الذين يحتفظون بمعانٍ حقيقية لتجربة الحياة ويعيشون ضمن مبادئهم الإيجابية بقصصهم التي تتحرك وتتنفس، ونراها تحيا وتسير أمامنا بعيدا عن التنظير وعن عناصر التأليف وبدايات ونهايات القصص المستهلكة وسواء تصادفنا مع هذه الشخصيات أو قرأنا لها، أو رددنا أحاديثها المأثورة التي أقنعتنا أو أننا اكتفينا بقراءة ما وراء سطورها ففي نهاية المطاف سنقف لنعد آثار بصماتهم الخاصة التي أودعوها كتبهم، أو لوحاتهم أو بعضا من مفردات أو قصص تروى وكأنها كتلة من التجارب والخبرات تمشي على الأرض، وفرصة للاستفادة من غيمة مغدقة وتطبيق عملي للحياة يمكن أن تشاهده حيا مباشرا فتخرج برؤية مضيئة قد تغير مسار حياتك للأبد.
إننا بحاجة إلى حكايات ملهمة تكون وقودا لنا ومحركا لنا لنطرق أبوابا جديدة ونعرف كيف نتعامل مع منعطفات الزمن ومتغيراته، ولا أعتقد أن التعليم والحصول على الشهادات العليا من أساسيات الإلهام فقد تتعلم أفضل الدروس من أبسط الكائنات فهي ليست حكرا على بني البشر وإنما قد يلهمك إصرار السنابل أو حقول الورود أو ضوء القمر أو صفحات الليل لمعرفة أشياء لا يمكن أن تحصل عليها من مئات المؤلفات والمحاضرات وقد تستقي أفضل الخبرات من أبسط البشر ومن عابري المحطات والشوارع، ومن أبعد العناوين عن أفكارك إنك لا يمكن أن تختار أو تنتقي مصادرك الإلهامية وإنما عليك أن تتمعن جيدا فيما يمكن أن يكون خلاقا فيما هو حولك ومؤثرا في قراراتك للبحث عن سحابتك المقبلة كي تعرف الكثير عن دروب الفشل المؤدي للنجاح، وعن حواسك التي تتجاوز العشرة عندما تعد على أصابعك لتكتشف أن الروح الإنسانية ما تزال تحمل الكثير من الحواس غير المكتشفة والتي يمكن أن تشعر بها وأنت تخاطب جيوش الأفكار التي تملأ رأسك وتجعلك تخرج من فوضاك لتعرف ما في داخلك من كوامن عندما يلمع البرق في عينك في لحظة تردد فيها "وجدتها" وتعرف أنك ما زلت تتهجى أول حروفك وأنه ما يزال لديك الكثير لتكتشفه عن نفسك من خلالها.
إنها الظاهرة الإنسانية التي تجعلك تتمعن في كل ما يحيط بك لتصنع منه درسك اليومي والملهمون أنواع بحسب موقع "Sources of Insightf" المعني بتطوير المهارات، وربما تختلف تعريفاتهم قليلا عما نعرف أو نظن فمنهم الحالمون الذين يقفزون على السحب ويحاولون أن يصنعوا أقواسا من المطر وينسجون خيوطا من الأفكار التي يصعب تحقيقها فهم يملكون كل أدوات صناعة الأفكار بينما يعجزون عن تحقيقها فهم يحلقون ويقفزون دون الاكتراث بما يتحقق منها بينما يركز الفاعلون على فكرة واحدة ويبدؤون بتنفيذها، يعملون عليها كأنها الحل الوحيد في الحياة، يشعرون بالملل والهزيمة فالتنفيذ جزء رئيسي في حساباتهم ويتبسلون في الدفاع عن مبادئهم وأفكارهم بينما يظل النموذج الثالث ممن يجمعون بين الحلم والفعالية في موازنة بين هذه الأدوار هم الأجدر بنيل شرف هذا اللقب الذي يعني تحمل مسؤولية كبيرة في صناعة القدوة، وتبعات العطاء بلا حساب والقدرة على صناعة الإرادة والتدريب على مواجهة الأزمات إنهم الأشخاص الذين ترتفع درجة الحساسية لديهم بمجريات الأحداث بما يفوق مقياس ريختر لمقياس الزلازل التي تصيب النفس البشرية، وتستدعي وجود فئة تساهم في صياغة قوانين التغيير وتحمل نتائج فتح الأبواب المغلقة وصناعة عناصر المفاجأة، وتاريخ المبادرة، وهذه الشخصيات تولد من تجارب ومغامرات مؤثرة أوجدت هذه الروح التي تستقي أفكارها، وتصيغ أهدافها ومعانيها مما عاشته من ظروف إيجابية أو سلبية وتمكنت من خلالها تكوين نقلة جديدة ومؤثرة في تآلف مع مشاعر مقنعة تجعلها تخرج إلى منطقة القرار بأن تستفيد من كل ما في هذا الكون من مصادر للمعلومات، وأنسنة الأشياء، وتلمس طرق وأبجديات المرحلة والسير في خط متواز مع هذه الأولويات التي تحقق نظرة ثاقبة ومختلفة يمكن أن يصل إليها من يكتشف نفسه أولا ويقبل انعكاسات التجارب، والملهمين على حياته بعيدا عن التمسك بالبراري القاحلة تلك الولادة التي يمكن أن تخرج من رحم عشبة فرضت نفسها وتمددت على الأرض دون أن تكترث بمن يرويها، أو شجرة ألقت أوراقها الصفراء على الرصيف، أو من بكائية شاعر أو من شرود ضوء نحو الأفق البعيد، إنك بحاجة للبعد عن صرير تكرار الفعل وتوقع نتائج مختلفة ما تحتاجه هو صناعة وطن متكامل من ذاتك ينمو، أعماقك تعود إليه لتتحدث إليه وتناقشه وتختبئ خلف جدرانه وطن ينبع من ذاتك ليلهمك كيف تتمتع بشجر الأكاسيا وتساقط المطر ويشرح لك قيمة احتساء فنجان قهوة على رصيف بعيد ويأخذك مع الشمس لتتسلل من شقوق النوافذ، وتلعب مع الصغار لتثبت لكل قوانين الطبيعة أنك إنسان يؤثر ويتأثر ويفهم ويتفهم، ويعود إلى نفسه في نهاية المطاف ليتحدث إليها، ويقنعها أنه يستوعب حزمة الضوء التي يمر بها في كل يوم من هذه الموجودات التي لم يكن يعرف أنها من أعتى الملهمات.

الخميس، 13 يوليو 2017

طقوس من مطر

 للكتابة طقوس تشبه المطر عندما يختار الهطول والرقص على طريقته حرا ليعبر عن لغة الخاصة خلف كواليس الأرض وهو يعزف نوافيره وينقط بحروفه خلف النوافذ و الأشجار المتعبة… فتستريح.
– للموت طقوس تشبه طقوس النسيان يحضر قويا ويذوب تدريجيا مع شموع الحقيقة وفرضية الصبر والانكسار والتماس العذر لاختفاء النجمات عندما تسقط الشمس من عنق السماء وتفرض أبجدية النهار.
– للوحدة طقوس الغياب عندما تذهب وحيدا معك وتتأمل مفاصلك وتعد أصابع ذاكرتك وتعاتبها على روماتيزم الهوامش وحوافر الخيل التي وشمت أفكارك بكل ما مر من الذكريات التي ستتحول حتما إلى خيوط عابرة.
– للحب طقوس لا تشبه الحنين الذي يولد من جرح ولا تلتقي مع مساحات التجلي التي تذوب كقطع السكر في كوب شاي، وإنما قد تكون حروفا غير قابلة للتعريف أو التحليل أو الذوبان في قوالب مصطنعة، فهي لا تصغي إلا لصوت القلب الذي خلق حرأ كطائر من نور.
– للصمت طقوس من شفافية التوق وحالة حدوث تلقائية الهطول المفاجئة دون مقدمات فهو يشبه حالة انتظار ترميم ما توجعت منه الذاكرة في علاقة بينه وبين السكوت الذي يأتي بمناسبة الخوف من البوح وأن كليهما يقف بعيدا على حافة وقت لا يأتي.
– وللانتظار طقوس على قارعة كتاب منسي ودقائق غائبة في لحظات التعلق ودوزنة حروف القلب عندما يلتفت إلى مواقيت الحضور الذي يتمطى أحيانا ويغيب أحيانا أخرى ويرحل للأبد، ويترك خلفه عقارب ميتة ذبحتها قسوته.
– وللوجع طقوس الخيبة من اختراق طلقة من أقرب المسافات دون القدرة على الآه آه فهو يظل متراكما مترسبا كالكلس على الجدران، يئن كلما تحرك من مكانه أو هطل عليه الماء ليرويه فيكتشف أنه غير قابل للذوبان أو التحلل.
– لا تذهب وحيدا إلى طقوسك الغافية خلف نظارة الحلم الذي يحتاج للنسيان، اذهب بلا صخب يشق ثوب الليل عندما تغلق الباب عليك تذكر نفسك دونما أثواب الطقوس كي تستطيع النوم لتصغي إلى جسدك بهدوء دون تجليات المكان أو الزمان، ما عليك سوى الغياب في اللا شيء
– سنلتقي مهما ابتعدنا عن طقوسنا في صباحاتنا وكيف نتعاطى مع الندى و نتقاسم الياسمين، سنلتقي مع أفكارنا وهدوئنا وصخبنا ولغتنا سنلتقي مهما ابتعدنا عن ماهية الكلمات التي تعبر عنا… فكلنا “طقوس” تنتظر الخروج من كواليس النسيان، تحتاج لأن نتغير ونتجاوز ما ورثناه من تعب، ومن طقوسنا الوراثية في التعامل مع كل ما يحيط بنا، نحتاج لأن نبني جدارا من حالة استثنائية أن نتدرب على البوح والخروج من قوالب الصمت والوجع والنسيان وتجاوز حدودها الحياة، التي تتغير بمراجعة الأخطاء و إحراق الكمنجات الباكية والخروج من زمن راحل إلى وطن واثق يستعيذ من تردد امتداد العشب إلى الاخضرار، واستئصال هذه الطقوس وغرس أخرى، تكون حنونة أكثر ومتفائلة أكثر ومحبة أكثر بما يكفي لتجاوز عقد الكلام ومناقشة الفوارق الهشة بين الأشياء والحريات، باعتراف بسيط يمكننا أن نغير طقوسنا الحجرية إلي طقوس من مطر… وما أحلى المطر…

كي تمتلك نفسك!

يقول الفيلسوف فريدريك نيتشة: إن على الفرد دائما أن يقاسي ليبقى حرا من هيمنة المجتمع وتابع قائلا: ستكون وحيدا وأحيانا خائفا لكن الثمن ليس غاليا في مقابل أن تمتلك نفسك” قد يكون في هذا القول تطلع كبير لكسب التميز والخروج بمنتج جديد يحقق الكينونة الذاتية التي تحدث عنها نيتشة وطالب بها في أقواله وأفكاره التي يمكن استثمارها في تحقيق مبدأ الاختلاف ذلك الذي يسعى إليه المتفرد من بين البشر والرافض لفكرة اللحاق بالقطيع والباحث عن الجديد متحديا ثقافة المجتمع التي قد تستهجن بعض السلوكيات التي قد لا تكون بالضرورة من ضمن تابو المحرمات وإنما قد يعتبرها بعض خروجا عن سجن الأفكار والقناعات المجتمعية التي تشكل حاجزا ضد التطوير والتغيير، ونحن هنا لسنا بصدد إيجاد طرق تحدٍّ لأولويات المجتمع ولكننا بحاجة محاولة إيجاد حالة من التفهم للتغيير الجذري الذي لحق حياتنا فما رفضناه بالأمس قبلناه اليوم، لا بل صرنا نسعى للحصول عليه لأسباب وجود المتغيرات التي صنعتها التقنيات الحديثة التي غيرت المفاهيم تجاه عديد من الأمور ونقلتنا إلى الحداثة ومحاولة اللحاق بركب التقنية الخلاقة والخروج مع القوالب التي تعايشنا معها أزمانا طويلة، حيث كان حدوثها ضربا من صنوف المستحيلات. هذه التغيرات حدثت بفعل التغيير وبفضل من أخذوا على عاتقهم فتح الأبواب وتحمل تدافع الآخرين خلفهم، ولا أريد أن أقول إن المجتمع يكون في كثير من الأحيان محبطا لهذه المنتجات إلا أن معول النجاح الحقيقي يتجسد في شجاعة الإقدام على الأفكار الجريئة والمتجددة وتحمل تبعات نقد المجتمع والمحاولة والصبر لحين تحقيق النجاح الذي لا يهدف إلى الوصول إلى نقطة معينة وانتظار تصفيق الآخرين بقدر ما يحمل بين طياته الرغبة في إثبات طروحات جديدة للمجتمع لا يمكن أن نحصل عليها سوى بالمجازفة والعمل والوصول لإمكانية ابتلاع المجتمع للرؤى الفريدة وهضمها وتقبلها حتى وإن جاءت بعد تكرار الفشل والخوف والرفض، التي تعتبر من أهم محفزات التحدي الموصل للنجاح. ويتابع نيتشة في قوله :”لن نحترق من أجل آرائنا لأننا غير متأكدين منها لكن يمكننا الاحتراق من أجل امتلاك وتعديل آرائنا ” وفي ذلك إصرار آخر على إثبات الذات بالطرق المختلفة بعيدا عن سيادة المجتمع التي ينبغي عليها أن تكتفي بتقديم النصح للطاقات الشابة ومحاولة مساندتها وتشجيعها للخروج إلى عوالم ونقاط انطلاق جديدة تبدأ من حيث انتهينا وتكمل المشوار بذات العزيمة والقوة وانتظار النتائج ورصد العثرات ومحاولة تلافيها للخروج بقوانين وإثبات براهين أكبر عن إرادة الإنسان التي تحمل في طياتها مضادات حيوية للفشل والتراخي والاستسلام. ولكي تملك نفسك لابد وأن تحصل على إكسير مقاومة الفشل والتراجع والاعتزاز بالنفس وحماية الأفكار من كافة أسباب التسويف والاستخفاف، ففي كافة المشاعر الإنسانية التي تدور في ذات الإنسان خلال مراحل حياته تتشكل صراعات طبيعية يولد مبدأ و فكرة مضيئة تحتاج لأن تقاتل في سبيل تحقيقها وإثبات نظرية مختلفة في الحياة التي يمكن أن يسير على خطاها الباحثون ممن يحتاجون لمعرفة التجارب وتبعاتها وإخفاقاتها ونهاياتها في قصص نجاح وصل إليها كثير منا بفضل الصبر والمثابرة والجد ومحاولة وضع بصمة خاصة تقول “هذا أنا” وتضع نقطة في آخر السطر.

أحلامنا المخترقة

مايزال الحلم أهم فرص الأمل، فالماضي عرفناه والحاضر نعيشه، والمستقبل هو القادم الذي نتطلع إليه، ويظل في وجدان كل منا خارطة من اللوحات المرسومة لما هو آت، تلك التي تتغير كلما مضى بنا العمر، التي نظل نلاحقها كالفراشات ونحن نحاول أن نحميها من الانبهار بحواف الضوء والاحتراق، هذه الرؤى التي علقناها على نواصي الغد على أمل التحقق، لكنها وعلى الرغم من كافة الإجراءات الاحترازية التي قمنا بها تعرضت للاختراق، لأننا لم نعد قادرين على أن نحميها من هكر التغيير الذي اجتاح عالمنا، وعلى الرغم من ذلك بقيت تقاوم الغياب لتظل خارج الرقابة نحافظ على ملكيتها وعلى حقوقنا الفكرية في صياغتها وفي تفصيلها على مقاس أفكارنا التي نقص المترهل منها ونرسلها عبر مساحات التطلع والطموح، بعد أن نحاول أن نحميها كما نحمي البيوت والحصون التي نبنيها بالقرب من شواطئنا ونفرض عليها حراسة مشددة باعتبارها أحد أهم حقوقنا في الحياة وفي الوصول إلى بصيص الضوء الخافت الذي يطل في آخر نفق تفكيرنا المتعب ..نقف على ناصيتها ونشطح بالخيال بعيدا لننظر خلفنا ونواسي الأحلام المتعثرة التي سقطت من نوافذنا خلال الرحلة المضنية دون أن ندري أنها غادرت أكتافنا وإغفاءات ليلنا و وسائدنا، فنحاول أن نخلق أحلاما جديدة لمرحلة أخرى يصعب أن تمر دونما تطلع، فما أتعس الذين فقدوا هذه القيمة وتوقفوا عن الأحلام واختاروا الحياة ليتشابهوا مع اللوحات الباهتة التي علاها الغبار وتكاثرت عليها تجاعيد الزمن، وذهبت إلى غياهب النسيان قبل أن يفسروها ويتعرفوا على رموزها وطلاسمها، مكتفين بفعل ذاكرة الحلم الذاهب خلف الريح، ينامون ويقومون دونما معنى طالما أن أبواب منازلهم ونوافذهم ومقاعدهم وحبال غسيلهم بقيت في مكانها ولم تتغير، ولم يبحثوا عن حقهم في حلم يتحقق ولم يحثوا من حولهم كي يغيبوا قليلا مع هدف يمكن أن يشدوا الرحال إليه، راضين بالوقوف في محطات الترقب، أولئك الذين لا يحلمون ويرضون بالموت وهم يتنفسون ويقبلون بأي شيء، شرط أن يظل التكرار والتشابه مطلا على حياتهم ما استطاعوا إليه سبيلا، وعندما أسأل نفسي الآن عن أحلامي، قد أجد أنني قد أكون كغيري متأثرة بفعل النحت والتعرية لكل خيالاتي وأحلامي السابقة التي صارت لغيري ولم تعد لي، اكتشفت أنني صرت أمارس فعل الحلم لصالح الآخرين وأتفانى في إرسالها معبأة في زجاجات البحر فأحلم لأولادي ولأهلي ولصديقاتي وأقاربي، وقد يتمدد حلمي ليشمل الأسرى في السجون الإسرائيلية، ويركض خلف خريطة الوحدة العربية، وقد يكون أكثر جرأة ليحلم بزوال الاحتلال وبخيمة من السلام وبعالم لا يتكاثر فيه الفقراء وبفقاعة تكفي لطفولة دائمة. أشعر أنني فقدت القدرة على أن أخلق طريقا لنفسي وأن أركض إليه لاحتضنة وأدفئه بالأمل، وأن أنقذ دفاتري وأوراقي البيضاء من قناصة الأحلام المتربصين.
إنني الآن أحلم لغيري فأحلامي ليست لي، وليس لدي القدرة على أن أمتلك المقدرة الفذة لرحلة البحث عن حلم يكون ملكي، أو أن أقوم بممارسة إقناع غيري ليزهونّ معي لنفتح بوابة حلم عربي يحتوينا جميعا، ويأخذنا من غابات الكوابيس التي سرقتنا من النوم وحرمتنا من لذة الحلم بليلة وردية على ضفاف قمر يرفض الشحوب ويطل بهيا في ليلة الـ 14 من شهورنا العربية التي تغيرت أحلامها ومسمياتها وصارت تفكر كيف تكون مقنعة أكثر لحكاية أخرى لا يعتريها برد التشابه ولا تنغمس إلى أذنيها في الإنصات لأكاذيب الآخرين، ليتني أستطيع أن أعود للحلم لحظة كي أحس أنني مازلت حيا، ليتنا نستطيع أن نحمي أفقنا العربي من الاختراق ومن الهلاوس وأن نعود لنخبئ الحلوى في جيوب الصغار ونحن نعدهم بعيد أنيق وثياب وبعض من الريالات و العيديات واللعب عندما يغفون على وسائدنا ليلة العيد ويذهبون في الصباح ليدقوا الأبواب وعيونهم تلمع من فرحة الأمل، الذي سيجيء يوما ما بإذن الله.

اخر التعليقات