الأحد، 20 مايو 2018

عاصفة الكترونية

في فلسفة الانحناء أمام الريح حتى تمر العاصفة… هناك  الكثير من الجدليات والحكم  التي قدمت نصائح لفوائد عدم الوقوف بصلابة أمام الريح العاتية التي يمكن أن تكسر أعتى الأشجار القوية التي تمتد جذورها لسنوات طويلة في رحم الأرض وعلى الرغم من ذلك فإنها لا تأمن اجتثاث الريح  لان جذورها لم تشفع لها ولم تقدم  اعتذرا كافيا  عند اشتداد العاصفة فحالة الانحناء لا يجب أن تكون مستمرة حتى لا نتحول جميعا إلى علامات تتساءل عن مواعيد انتهاءها ومواعيد قدرتنا على الوقوف من جديد.
وفي المشهد الالكتروني لم أجد أي اختلاف بين العواصف الالكترونية و الواقعية أو المحسوسة والتي يمكن أن تقف أمامها لتبارز أعداءك وتقرر حينها حجم خسارتك ومدى قدرتك على الصمود بينما في العالم الافتراضي والذي يشهد حروب بأبجديات مختلفة قد يظهر فيها الأعداء وقد يختفون وفقا لمنهجية القتال الذي يمكن أن لا تتخيل أو ترى من خلاله خفافيش يمكن أن يتحدوا لأسباب مختلفة للانقضاض عليك وقد لا يجمعهم أمر أكثر من الإساءة  والتشكيك في كل ما يمثل قيمة في هذا العالم.
ولطالما شهدنا انهيارات لرموز وقعت في شباك هذه التحزبات الالكترونية  على الرغم من عدم امتلاكها لأي ميزة أو فكر وإتباعها لسياسة القطيع الذي قد يعطي الرسالة حق الرتويت ولاء لهذه المجموعات ودون أن يترك لك فرصة المواجهة أو إطلاق صفارة إنذار أو تحذيرات جوية عن سرعة الرياح ووحشية الحروف المصوبة نحوك والتي قد تخترق قلبك وقد يكون مفعولها مزلزلا نظرا لسرعة انتشارها واشتعالها في كل ما يخص حياتك إنها لا تتجاوز بعض الكلمات أو لقطة كاميرا حتى ينتهي كل شيء وتجد النيران تحيط بمزرعتك من كل مكان  انها تلك اللحظات التي قد  توصل أي منا إلى  لحظات الانكسار الالكتروني الذي لم يعد يستثني أحدا وعلى الرغم من قانون الجرائم المعلوماتية وما ينص عليه من عقوبات إلا إنني اندهش ذلك لم يوقف أو  يشكل درع حماية لمثل هذه الممارسات  والتي تقوم على مبدأ الشللية  وتأخذ أشكالا متعددة ما بين تكرار الرسائل  أو خلق رسائل جديدة لتضعها عنوانا لحراك هجومي منظم وممول من جهات غير معلومة يقوده من  لا يقرأ أصلا وإنما يستمرئ  الدخول معركة تدمير وإساءة دون أن يهتز له جفن لمجرد أن الضحية كان لديه فكرة أو وجهة نظر مختلفة مما يجعلها  تقع ضحية الإلحاح على تكرار الإساءة واستغلال أي محاولة للرد  وتحويلها إلى أداة  تلفيق وحشد كافة الدلائل و تحويلها إلى سهام تخترق قلب الضحية وبعد انتهاء العاصفة والوصول إلى السقوط  النهائي ينتهي كل شيء ويعود الخفافيش إلى مكامنهم لاختيار ضحية أخرى سقطت في شباك “قفشة  الكترونية” لا تحمي أي قيمة  أو مبدأ إنساني ولا تكترث لدمار مجتمع بأكمله  يمكن أن يكون فريسة لها.

ثقافة الشكر

عندما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته “لم أسمع أبدا عاشقين يقولان شكرا “وهو يتحدث في قصديته  إلى تونس الخضراء كان يريد أن يقول أن كلمات ” الشكر” في بعض الأحيان قد تكون دون” معنى” لان ما جرى هو أكبر من عبارات الشكر والكلمات فيقف كلا منا عاجزا صامتا وهو يشعر انه لا يمكن    أن يقف ليعانق الشمس أو أن يقدم معروفا لشجرة وارفة الاغصان مبتله بالماء  أو ان يغدق على  سحب السماء أو كمن يريد أن يخاطب مواقف النجاة ومراسي  الصدق والوفاء وقصص لا تتكرر دائما بينما قد تقف أمامها  الحروف والعبارات عاجزة حتى عن “الشكر “  ذلك الذي دعانا اليه ديننا الحنيف والذي يبدأ من شكر الله على عظيم فضله فيخرالانسان ساجدا لله أولا ليحمده  على ما انعم عليه من فضل وهو يشعر بصغر حجمه وعجزه عن إحصاء ما منحه الله من عظيم هباته 
إنها الحروف التي قد لا تفي معانيها ولا يستقيم سجودها أمام  عظيم فضل وكريم عطاء تلك اللحظات التي تحدث  عندما يريد أي منا تقديم شكره  إلى وطنه أو أمه أو أبوه أو معلمه أو صديقه الوفي أو لنفسه او لغيمة أسبغت عليه من فضلها  أو لورده منحته لونها او لفراشة حكت له عن تجربة الحذر من الاحتراق او  لعابر سبيل مد له يد العون ان هذه المشاعر الانسانية  تعني أن بعض حروف هذا الكلمة قد تقف صامته في حرم العطاء لكون الكلمات تظل شحيحة وغير قادرة على التعبير أو عصية على دموع الفرح المنسكب في أنية الفضل وأيما كانت كلمات الشكر ووسائل التعبير عنها بالرسائل أو بالصور أو بالعبارات  تظل نقطة  هامة في بناء العلاقات الإنسانية وفي إيصال حبال الود تلك التي يمكن أن نعبر عنها بما هو أهم من الكلمات وباقات الزهور وعلب الهدايا المغلفة فيمكنك أن تقول شكرا من خلال العبور إلى منطقة تتلاقى فيها الأرواح التي يجب أن لا ترسب في اختبار رد الجميل والذي يتجاوز عبارات الشكر إلى فعل العطاء هذه المشاعر التي يدركها من يعرفون ” ثقافة الشكر” بينما يظل آخرون في حالة القحط لاعتبار القيمة التي قدمت إليهم بأنها فرض واجب على الأطراف الأخرى فيعجزون عن الشكر ليس من قبيل عدم القدرة على التعبير عن الوفاء والشعور بالحيرة في كيفية الشكر وإنما لازدرائهم لهذا المعنى السامي الذي يتجاوزه كقيمة  أَمرَ الأنبياءُ أقوامَهم بها لكونها  سبب لحفظ النعم الموجودة، وجلبٌ للنعم المفقودة بل خرجوا الى جدليات التقليل من شأن العطاء الى كونه امر عادي لايستدعي جلبه الشكر  يقول عليشئ بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “النعمة موصولةٌ بالشكر، والشكر يتعلّق بالمزيد، ولا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد”.. وخير من ذلك قول الحق تبارك وتعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ” ولعلني اتساءل اذا كان لدى كل منا هذة القدرة على بذل معاني الشكر ورد الجميل والاحتفاء بمن قدموا نماذج العطاء دون انتظار المقابل وحتى لا يشعرون بالخيبة أو الانكسار والندم على ما قدموه  لابد من محطة وفاء  ولابد من وقفة صمت خاصة في سياق التجلي الذي  نضعه في مذكرة الأيام التي تعيدنا الى منطقة الرجوع الى اعياد التذكر الذي لا تبدده رياح التنكر وانما يظل سحابا مثقلا بالاعتراف “فلا يشعر بالعطاء الا من يعطي “أما من يأخذ فانه يجب أن لا يعتبر ذلك منحة الهية او مكرمة من سجايا الايام  وانما يجب ان يعلم انه اكتمل بما نقص من غيره وأن غيره اثر ان يعطيه شيئا ليس من حقه وهنا لابد و أن يولد الشكر من عناقيد الوفاء التي تجاوزت الانانية الى الايثار لابد أن يخرج من شرفات استيقظت على فناجين قهوة وقطرات ماء خرجت  من أرواح اعتادت على العطاء  لتسقي الجدب فينا ولذلك فانها لا  تستحق سوى العطاء

الخميس، 22 فبراير 2018

في مدرسة الملهمين

قد يتحول البعض في حياتنا إلى سطور تنبض من كتب الإلهام أولئك الذين يمكن أن نستقي من تجاربهم وإيجابيتهم معانٍ جديدة، ونبراساً يمكن أن نهتدي به ونحن نسلك طرق الحياة الوعرة "إنهم الملهمون"، الذين يحتفظون بمعانٍ حقيقية لتجربة الحياة ويعيشون ضمن مبادئهم الإيجابية بقصصهم التي تتحرك وتتنفس، ونراها تحيا وتسير أمامنا بعيدا عن التنظير وعن عناصر التأليف وبدايات ونهايات القصص المستهلكة وسواء تصادفنا مع هذه الشخصيات أو قرأنا لها، أو رددنا أحاديثها المأثورة التي أقنعتنا أو أننا اكتفينا بقراءة ما وراء سطورها ففي نهاية المطاف سنقف لنعد آثار بصماتهم الخاصة التي أودعوها كتبهم، أو لوحاتهم أو بعضا من مفردات أو قصص تروى وكأنها كتلة من التجارب والخبرات تمشي على الأرض، وفرصة للاستفادة من غيمة مغدقة وتطبيق عملي للحياة يمكن أن تشاهده حيا مباشرا فتخرج برؤية مضيئة قد تغير مسار حياتك للأبد.
إننا بحاجة إلى حكايات ملهمة تكون وقودا لنا ومحركا لنا لنطرق أبوابا جديدة ونعرف كيف نتعامل مع منعطفات الزمن ومتغيراته، ولا أعتقد أن التعليم والحصول على الشهادات العليا من أساسيات الإلهام فقد تتعلم أفضل الدروس من أبسط الكائنات فهي ليست حكرا على بني البشر وإنما قد يلهمك إصرار السنابل أو حقول الورود أو ضوء القمر أو صفحات الليل لمعرفة أشياء لا يمكن أن تحصل عليها من مئات المؤلفات والمحاضرات وقد تستقي أفضل الخبرات من أبسط البشر ومن عابري المحطات والشوارع، ومن أبعد العناوين عن أفكارك إنك لا يمكن أن تختار أو تنتقي مصادرك الإلهامية وإنما عليك أن تتمعن جيدا فيما يمكن أن يكون خلاقا فيما هو حولك ومؤثرا في قراراتك للبحث عن سحابتك المقبلة كي تعرف الكثير عن دروب الفشل المؤدي للنجاح، وعن حواسك التي تتجاوز العشرة عندما تعد على أصابعك لتكتشف أن الروح الإنسانية ما تزال تحمل الكثير من الحواس غير المكتشفة والتي يمكن أن تشعر بها وأنت تخاطب جيوش الأفكار التي تملأ رأسك وتجعلك تخرج من فوضاك لتعرف ما في داخلك من كوامن عندما يلمع البرق في عينك في لحظة تردد فيها "وجدتها" وتعرف أنك ما زلت تتهجى أول حروفك وأنه ما يزال لديك الكثير لتكتشفه عن نفسك من خلالها.
إنها الظاهرة الإنسانية التي تجعلك تتمعن في كل ما يحيط بك لتصنع منه درسك اليومي والملهمون أنواع بحسب موقع "Sources of Insightf" المعني بتطوير المهارات، وربما تختلف تعريفاتهم قليلا عما نعرف أو نظن فمنهم الحالمون الذين يقفزون على السحب ويحاولون أن يصنعوا أقواسا من المطر وينسجون خيوطا من الأفكار التي يصعب تحقيقها فهم يملكون كل أدوات صناعة الأفكار بينما يعجزون عن تحقيقها فهم يحلقون ويقفزون دون الاكتراث بما يتحقق منها بينما يركز الفاعلون على فكرة واحدة ويبدؤون بتنفيذها، يعملون عليها كأنها الحل الوحيد في الحياة، يشعرون بالملل والهزيمة فالتنفيذ جزء رئيسي في حساباتهم ويتبسلون في الدفاع عن مبادئهم وأفكارهم بينما يظل النموذج الثالث ممن يجمعون بين الحلم والفعالية في موازنة بين هذه الأدوار هم الأجدر بنيل شرف هذا اللقب الذي يعني تحمل مسؤولية كبيرة في صناعة القدوة، وتبعات العطاء بلا حساب والقدرة على صناعة الإرادة والتدريب على مواجهة الأزمات إنهم الأشخاص الذين ترتفع درجة الحساسية لديهم بمجريات الأحداث بما يفوق مقياس ريختر لمقياس الزلازل التي تصيب النفس البشرية، وتستدعي وجود فئة تساهم في صياغة قوانين التغيير وتحمل نتائج فتح الأبواب المغلقة وصناعة عناصر المفاجأة، وتاريخ المبادرة، وهذه الشخصيات تولد من تجارب ومغامرات مؤثرة أوجدت هذه الروح التي تستقي أفكارها، وتصيغ أهدافها ومعانيها مما عاشته من ظروف إيجابية أو سلبية وتمكنت من خلالها تكوين نقلة جديدة ومؤثرة في تآلف مع مشاعر مقنعة تجعلها تخرج إلى منطقة القرار بأن تستفيد من كل ما في هذا الكون من مصادر للمعلومات، وأنسنة الأشياء، وتلمس طرق وأبجديات المرحلة والسير في خط متواز مع هذه الأولويات التي تحقق نظرة ثاقبة ومختلفة يمكن أن يصل إليها من يكتشف نفسه أولا ويقبل انعكاسات التجارب، والملهمين على حياته بعيدا عن التمسك بالبراري القاحلة تلك الولادة التي يمكن أن تخرج من رحم عشبة فرضت نفسها وتمددت على الأرض دون أن تكترث بمن يرويها، أو شجرة ألقت أوراقها الصفراء على الرصيف، أو من بكائية شاعر أو من شرود ضوء نحو الأفق البعيد، إنك بحاجة للبعد عن صرير تكرار الفعل وتوقع نتائج مختلفة ما تحتاجه هو صناعة وطن متكامل من ذاتك ينمو، أعماقك تعود إليه لتتحدث إليه وتناقشه وتختبئ خلف جدرانه وطن ينبع من ذاتك ليلهمك كيف تتمتع بشجر الأكاسيا وتساقط المطر ويشرح لك قيمة احتساء فنجان قهوة على رصيف بعيد ويأخذك مع الشمس لتتسلل من شقوق النوافذ، وتلعب مع الصغار لتثبت لكل قوانين الطبيعة أنك إنسان يؤثر ويتأثر ويفهم ويتفهم، ويعود إلى نفسه في نهاية المطاف ليتحدث إليها، ويقنعها أنه يستوعب حزمة الضوء التي يمر بها في كل يوم من هذه الموجودات التي لم يكن يعرف أنها من أعتى الملهمات.

الصعود الى القمة

"لا شئ يبقى للأبد "فكل ما نعيشه في سعادة أو قسوة أو حزن أو رخاء سيصبح في يوم من الأيام من الماضي وسنزرعه كالياسمين في حقول الذكريات ونتذكره عندما يتجول كل منا في حديقته الخاصة وهو يعبر في طرقاتها ويتذكر لحظاته التي يشمها كلما مر في رحيق الزمن الذي عبر فجأة أو على مهل سيظل كل شئ معلقا في الذاكرة كخيط رفيع يعيدنا إلى شريط الماضي الذي نهديه إلى باقة أيامنا ونحن نقلب أوراقها ورقة ورقة ونتساءل عن أخر قطرة ستسقط من هدير الحكايات ومن صخب الموج عندما يعلو فيطغى على أفكارنا وعندما يكون مليئا بالمتناقضات فيصمت ويترك لنا فرصة التأمل.
وفي مفارقة تجارب الصعود إلى القمم والعثور على خيارات الطرق المؤدية لتحقيق الأحلام يمكن أن تبدو الصورة وردية أحيانا وضبابيه وغائمة أحيانا أخرى فهذه الطرق لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تظل متوازية مع طموحنا وتوجهاتنا ولكنها قد تكون مليئة بالمنعطفات والعثرات التي تعزز ثقافة الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة المصاعب وحل المشكلات التي تواجهنا فلو أن الطريق كان ممهدا للأبد.. لما عرفنا قدراتنا أو تمكنا من اكتشاف الطاقات الكامنة فينا والتي تظهر عندما نمر بهذه التجارب الخطيرة و الحادة التي نتعرف من خلالها على هويتنا الحقيقية وعلى كل ما يمكننا أن نحققه وهذه المزايا لا يمكن أن تتحقق عندما يكون الطريق معبدا ومفروشا بالزهور ومليئا بالأنوار والكهرباء فالطرق المظلمة تجعلنا نتعرف على مقدرتنا الفذة في تحسس مواطئ أقدامنا كما أن المياه العميقة تضعنا في تجربة إنقاذ أنفسنا من الغرق والسقوط إلى القاع يجعلنا نعرف ما نحتفظ به من درر ونفائس نخبئها في أعماقنا لنعلم أن في كل إغفاءة للحظ فرصة لحظ جديد ذلك الذي يتحقق لمن يؤمن أن الضربة التي لم تقتله كانت كريمة لتجعله أقوى ولمن يعرف أن التجارب القاسية والفاشلة هي أهم الخطوات المؤدية للنجاح وأن النجاح الأبدي والطرق الممهدة لم تعطه أي فرصة لأدراك خفاياه التي تختبئ خلف الرتابة والتكرار وأن في كل مغامرة جديدة لتحقيق الذات نقطة انطلاقة لسهم قوى يمكن أن يستقر في قلب الهدف ويحققه.
لذلك فأننا نحتاج في كل فترة إلى التوقف لنرصد ما تركناه من تجارب خلف ظهورنا ونتطلع إلى الخطوات القادمة التي يجب أن تخرج من حيز العشوائية إلى حالة من التركيز لقراءة الخطوات القادمة وهذه الثقافة التي يجب أن تنتقل إلى الأجيال التي قد تظن أنها عندما تنهي مرحلة التعليم والخروج للحياة العملية بأنها قطعت شوطا كبيرا من تجاوز المصاعب وهي لا تعلم أن التعليم هو أول سلالم الصعود نحو الأهداف التي لا يمكن أن تحقق إلا عندما نمتلك ثقافة " صناعة الأهداف" وخوض غمار التجارب الصعبة والقصص المستحيلة لنجد في أنفسنا قدرات لم نكن نعرفها عن أنفسنا.
إنها الأحاديث الهامسة التي نقولها لأنفسنا ونكررها ونحن نقرر في كل مرحلة كيف يمكن أن نمضي في الطريق أم أننا نحتاج إلى استخدام أدوات أكثر تأثيرا أن هناك حاجة ماسة لتغيير الطريق أصلا أو البحث عن خطط بديلة لإكمال مشوار الحياة وتجاربها كي لا نسمح لهذه الأحداث أن تتحول إلى مصدر رعب وخوف على مصيرنا المجهول وإنما يجب أن تخلق في ذواتنا حالة الاستفزاز للدخول إلى تحد جديد والتعلق في حبل أخر لعبور الوحول والغابات الموحشة وعدم التشبث بالأفكار والحبال المترهلة ومواجهة مخاوف التغيير إلى نقطة انطلاق جديدة عنوانها الثقة بالنفس والبحث عن الطاقات الكامنة والتي لا يمكن أن تولد من نبض متخاذل أو من حالة انتظار "قدر" وأنها بحاجة إلى اصطياد فكرة مختلفة لتحقيق هدف مختلف.

ضمير افتراضي

ا بين الواقعي والافتراضي خيوط يمكن أن تتشابك قصتها لتحكم دائرتها المغلقة على "الإنسان الحديث" الذي تداخلت أوراق أفكاره ما بين عالمين أحدهما ملموس والآخر مساحة لا محدودة يصعب وصفها أو لمسها لكونها قد تتجاوز الخيال أحيانا وقد ترتد إلى شخوص العالم الواقعي أحيانا أخرى، ليدخل كل منا مدينته الخاصة ويغلق الباب خلفه ويعيش حالته الخاصة كموجود يعبر عن أفكاره ومشاعره ومنطقه المختلف في جدلية التلاقي ما بين الواقع والخيال بعد أن استطاعت التقنية الحديثة بفعل قدرات الإنسان واختراعاته الفذة أن تخلق لكل منا عالما متفردا دون أن يحتاج للذهاب إلى المريخ في مركبته الفضائية، أو أن يتقدم إلى وكالة ناسا للصعود إلى الفضاء لأن العالم بكل صوره ولوحاته الاجتماعية والفكرية والثقافية انتقل إليه ليتمكن أن يصل إلى آخر نقطة من اللاحدود فيعرض وجهة نظره، أو قد يعترض ويتحاور بل لقد تجاوز هذه الأفعال إلى أخرى يقوم خلالها بالنقد والاعتراض والتعدي والقيام بفعل التجاوز على الآخرين والتعليق بما يعرف ومالا يعرف وقد يغمض عينيه ويقص ويلصق دون أن يكلف نفسه عناء القراءة ومعرفة ما خلف السطور.
وعلى الرغم من عدم تهيئة الأجيال الجديدة لهذا الزخم التقني العظيم الذي أغرق العالم بالجديد والمبتكر في وسائل التواصل الاجتماعي التي فاقت تصور الإنسان في إمكانياتها في الربط بين أقطاب العالم، إلا أن هذا الجيل استطاع الانسجام مع هذه النقلة النوعية في وسائل الاتصالات من الناحية التقنية أما عن المحتوى الاجتماعي والثقافي فهو لا يزال بحاجة إلى نظرة واعية يتم عند الدخول إلى هذا المجال بوعي حتى لا تتسبب هذه الوسائل في حصاد ذنوب افتراضية قد يظن البعض أنها غير مؤثرة وأنها تخص عالما آخر لا يمت إلى الواقع بصلة، ولعل قوانين الجرائم الإلكترونية والعقوبات التي تفرضها هذه الجهات الأمنية لهي أكبر دليل على ارتكاب الذنوب الافتراضية حيث يمكن أن يرتكبها الشخص دون أن يغادر مقعده أو سريره عندما يجند طاقاته ضد الإنسانية أو ضد القيم أو المبادئ أو عندما يختبئ خلف أسماء مستعارة لتحقيق أجندات يعرفها ولا يعرفها في غفلة من نوم الضمير، والتعاطي مع هذه التقنية وكأنها من صنع الخيال وكأنه يحق له أن يفعل ما يريد وأن يجرح بالكلمات أو أن يتعدى بالألفاظ أو أن يشهر أو يستولي ويخترق هذا المجال ثم يغلق أجهزته ويرقد دون أن يهتز جفنه، ودون أن يعلم أن عقوبة مثل هذه الذنوب لا تختلف عن عقوبة الذنوب الواقعية في الدنيا والآخرة لكون نتائج هذه التصرفات قد تكون متساوية في ناتج الإيذاء أو التخريب، مما يعيدنا إلى المربع الأول ومن أول الخطوات في هذه الحياة التي تستدعي الحذر من ارتكاب مثل هذه الذنوب، لأن نتائجها لا يمكن أن تظل افتراضية وإنما يمكن أن تكون عواقبها أشد وطأة من الذنوب الواقعية لسرعة وسهولة تحقيقها في عالم تداخلت فيه القيم التي تستدعي وقفة ضمير افتراضي يحاسب نفسه كي لا يغفل عن مثل الاختراقات وهو يظن أنه يحسن صنعا.

الثلاثاء، 23 يناير 2018

جدنا قوقل

جدنا قوقل

وسط هذا الضجيج الذي صنعته الحضارة والمدنية، هل نحتاج للذاكرة ؟ أم أننا اعتمدنا على التقنيات الحديثة كي تتذكر نيابة عنا، واخترنا أن نحتفظ بذاكرة الأسماك التي لم تعد تسعفنا لأكثر من دقائق عند محاولة تذكر المواقف والأحداث،
فمحركات البحث الذكية أصبحت تفهمنا أكثر من أنفسنا، ومن التلميح الأول لكل ما نبحث عنه نجد هذه المحركات قد تحولت فجأة إلى مصباح علاء الدين، فما عليك سوى أن تضع الحروف الأولى لما يدور في رأسك، حتى تجد ما تفكر فيه أمامك في غمضة عين، وعلى الرغم من هذه الفوائد العظيمة لجدنا “قوقل “الذي صرنا نرجع إليه في كل شاردة وواردة وكل ما نريد معرفته، فقدنا القدرة على التحري والنفس الطويل في البحث والحصول على المعلومة، التي كان يسافر لأجلها أجدادنا أياما وشهورا عديدة. كانت هذه الرحلات البحثية هي سبب تعزيز الذاكرة والتذكر، التي لم تكن فائدتها طلب العلم وإنما كان المسافر للبحث عن العلم يستثمر فوائد السفر السبع، من تفريج الهم واكتساب المعيشة والعلم والآداب وصحبة الأخيار واستجابة الدعوة وزيارة الأحباب وغيرها من فوائد الترحال والبحث عن المعلومة، التي تصقل شخصية الباحث وتجعله متمكنا من كثير من الجوانب العلمية والمعرفية التي تضاف إلى فائدة الثقة بالنفس، ولست هنا بصدد طلب العلم وشد الرحال لطلب العلم، وإنما بصدد السؤال عن الزهايمر وحالة فقدان الذاكرة والنسيان الذي اجتاح العقول، التي تكاسلت وتركت للتقنيات مهمة التفكير والبحث والتقصي لزمن سريع لم نهيئ عقولنا لاستقباله والعمل على ترسيخ المعلومات و إمكانية الاحتفاظ بها، بعيدا عن آفة العلم. وأعتقد أن التغيرات المتلاحقة في حياتنا، وهذا الدخول الصاروخي إلى العالم الرقمي جعلنا نغير كثيرا من عاداتنا الاجتماعية والفكرية ونرضخ لتبعات التقنية وحالة التكرار والتشابه، التي ترتسم على وجوهنا ونحن جميعا سائرون خلف الأجهزة اللوحية وكل منا يقرأ فيها خصوصياته ونفسه وأفكاره في آيدلوجية مختلفة لحالة التلاقي الفكري والثقافي، التي عززت كثيرا من جوانب الشخصية، وأخذت أيضا كثيرا من قدرتنا على الخروج من غرفنا المغلقة، التي جعلتنا عبارة عن عيون محملقة وآذان باحثة في عالم ضخم من المعلومات، ولعل السر في حالة “النسيان دوت كوم” التي أصابتنا، ناتجة عن عدم قدرة العقل على استيعاب المعلومات المتدفقة التي تحملها الرسائل اليومية لمختلف العلوم والفنون، التي تتسرب كالمياه من بين شقوق أجهزتنا، حتى وإن غبنا عنها نعود لنجد هذه المعلومات وقد استقرت في ذاكرتها، لتجبرنا للعودة إليها والتمعن فيها لتتشعب المعلومات والذكريات والوجوه، في عالم أخذنا حتى من أنفسنا لنلعب ونتعلم ونتدرب ونستشير ونغذي عقولنا من هذا العالم الرقمي الصاخب، الذي يحتاج إلى “ميموري” إضافي لرصد كل ما يجري في هذا العالم ويستدعي إضافة شرائح معلوماتية لتتسع الذاكرة لهذا الكم الهائل من المعلومات، الذي يخاطبنا بلغة الطوفان فنغرق ونحن نحاول السباحة والصعود، عبر سلالم الموج للحصول على بعض الأنفاس كي نتذكر.

ضمير سعودي متصل

ضمير سعودي متصل

من شرفات العام الجديد يطل لون الاخضرار الذي يأتي في مواكب التطور المتلاحق الذي تشهده المملكة العربية السعودية وهي تقف على بوابة العام الجديد لتفتح صفحاته بكل ثقة في استباقية الزمن القادم ومحاولة الوصول عبر أقصر الطرق المؤدية إلى شاطئ الوطن الآمن، فعندما يعلو الضجيج وتتشابه الأصوات والقصص والبدايات والنهايات يجب أن يكون في محصلة كل منا بوصلة وقناعة أكيدة بالاستفادة من دروس الآخرين واختيار المسار الذي يفوت الفرص على المطبلين ممن يراهنون على تماسك هذا الوطن ووحدة كلمته، فكلما وضعوا وخمنوا طريقا يمكن أن يتم الاتجاه إليه وحاولوا أن يقلبوا الموازين كانوا يفاجأون بانتصار الوطن في كل معارك المزايدات والمناقصات والتوقعات لشعب يعرف كيف يتمسك بوطنه ويمارس طقوس المواطنة كما يجب، وعلى الرغم من فارق وجود احتفاليات وطنية ومشاعر وطنية متدفقة سالت بلون البهجة في شوارع المملكة في احتفالية يوم الوطن ألا أن هذه الشكليات ليست سوى مكمل مهم لإخراج الصورة الحقيقية لمشاعر حب الوطن، ومحاولة التعبير عنها بطرق مختلفة، فما كان الفارق بين الأمس واليوم أكثر من خروج المشاعر من الصدور إلى السطور ومن القلوب إلى الشوارع والمتنزهات ومختلف الأمكنة التي سجلت حضوره في كل الميادين وبكل اللغات المختلفة، عبر فيها الصغير والكبير وتنافست العقول الإبداعية في تقديم رسائل حب لهذا الوطن، وإن اختلفت السبل والطرق المؤدية إليه إلا أن هذه الفعاليات والاحتفاليات ما هي إلا تتويج لهذا الحب الغامر، الذي كسا بخضرته نوافذه المطلة على العالم بعيون واثقة من إصرار أبنائه على الثبات على قوانين رفعته التي لا تحتاج لأدلة أكبر من البذل والتسامي والعمل الدؤوب الذي سطر من خلاله أبناء هذا الوطن عناوينه في كافة المجالات نموذجا مشرفا للإنسان السعودي المتحضر، الذي يسعى لأن يحمل اسم هذا الوطن عاليا ويعزز من انتماء الأجيال إليه. وقد يستغرب بعض من ولاء أبناء هذا الوطن والمقيمين فيه واستبسالهم في الدفاع عنهم وحمايته والعمل على إبطال كافة المحاولات المغرضة وإفشالها، من خلال لحمة وطنية زادتها الأيام التصاقا بقيادته الحكيمة وتلاقيا معها وقبولها كافة المصاعب في اتحاد عجيب لقصص غير مستهلكة، أكدت على وعي هذا الشعب لقيمة ومعنى كلمة “وطن” تلك التي تعرش كسعف النخيل على حروف المدن فيتدلى من عذوقها رطب وبلح يجني ثماره أبناؤه وأجياله القادمة التي تعزز في كل يوم سيادة هذا الوطن وسموه، فكل يوم منجز ومساحة مختلفة من رسوخ هذا الحب في الضمير السعودي المتصل بوطن يستحق البذل كل البذل..

اخر التعليقات