الاثنين، 28 نوفمبر 2016

الجروح المفتوحة

هل نحتاج إلى عمليات جراحية سريعة وواعية لإغلاق جروحنا المفتوحة؟ وهل تجدي إجراءات الإنعاش لإنقاذ الرئة العربية الأخرى في سوريا والعراق وليبيا واليمن؟ والجرح العميق في فلسطين؟
لا يمكن لأحد أن ينكر أن كل ما يجري ليس أكثر من حرب استنزاف غرق فيها العالم برمته وخسرنا فيها جميعا بغض النظر عن نظريات المؤامرة والتآمر، ومن تآمر على من!
جميعنا خسرنا من تغذية هذه التصدعات السياسية والانقسامات، وفيما يبدو أننا استدرجنا إلى وحل «السقوط المر» الذي يضعنا أمام مجموعة من التساؤلات التي نحتاج إلى مدة زمنية طويلة للإجابة عليها فكم من الوقت يكفي لعلاج هذه الجراح النازفة؟ وما هي المدة الزمنية التي تحقق عودة النازحين السوريين واليمنيين والعراقيين إلى بلادهم؟ وهل ساهمنا بدور العاجز في تفاقم هذه الجروح ووصولها إلى حدود اليأس دون أن ندري؟
ولماذا كلما بحثنا عن رقعة لهذا الثوب العربي ابتلينا بثقب جديد أكثر اتساعا من السابق لتظل هذه الصراعات سببا في زيادة النزف واستمرار العنف حتى صرنا نتقبل مشاهد القتل والتدمير والتشريد، وكأنها من المسلمات التي لا حول لنا فيها ولا قوة ليظل الصراع سببا لمزيد من الحروب وتجنيد المقاتلين واستنزاف ثروات المسلمين وتعميق الانشقاق ونمو الأيديولوجيات المتطرفة التي خلقت هذا الواقع السردي الذي حول هؤلاء الحرافيش والهجامة المنسيين والساقطين من أفلامنا وهويتنا العربية إلى قتلة مشهورين بفعل الدعاية الإرهابية على شبكة الإنترنت وتهويل قوتهم البائسة، فلم يعد غريبا علينا أن نسمع مسميات لأشرس القتلة وألقابهم وتفننهم في سلخ وحرق وقطع الرؤوس، كل شيء في هذا الزمان الصعب عادي لم نعد نجد صعوبة في تقبله بصمت وبقلة الحيلة، يقول تقرير «جلوبال ترندز 2030»، الذي تحدّث فيه مدير الاستخبارات القومية الأمريكي عن «اختلال توازن مُحدق» في المنطقة، حتى قبل ظهور تنظيم داعش واندلاع الأزمة السورية؛ حيث تحقق عدد من أسوأ السيناريوهات المذكورة في ذلك التقرير بوجود جروح مفتوحة في سورية وليبيا واليمن وغيرها من الدول، الأمر الذي يمهّد الطريق لمشكلات خطيرة على المدى الطويل هذه المشكلات لن تؤثر على هذه الدول بمفردها، وإنما سيكون تأثيرها كبيرا على العالم بأسره الذي قد لا تجدي معه أي إجراءات احترازية، فكل يوم نستيقظ على انهيار جديد، وجرح جديد، وكابوس تحول إلى حقيقة، تحاصر مستقبل الأمة العربية والإسلامية، وتضع كماشة الإرهاب حول مصالحها الاقتصادية والسياسية والفكرية، وتجعلها في حالة انشغال لردم الهوة التي تتكاثر يوما بعد يوم وتتطلب جراحاً ماهراً يستطيع أن يعالج هذا الوجع الذي لن يندمل إلا بوحدة عربية إسلامية تقوم على تغليب المصالح العليا للعالم الإسلامي على الخلافات الوقتية والتخلص من الإرهاب، ومعرفة المتسبب والمستفيد من أجندة الاستنزاف، ومن تغييب وتسويف الجرح الفلسطيني، وقضايا اللجوء عن الفكر العربي، وإشغاله بقضايا خلافات سياسية تعمل من خلالها القوى العظمى على إشعالها للوصول إلى السلطة والسيطرة حتى لو كان ذلك على حساب دماء الأبرياء، وحياة أمة بأكملها كانت تتلمس طريقها بعيدا عن قوة الاستعمار والتحكم، وتحاول أن تخلق وجودها، وأن تنعم بحضارتها، وأن تبني مستقبلا أمنا لأجيالها القادمة، فمن سرق منا حتى الأحلام وحولنا إلى بائسين في انتظار خبر واحد أو وقفة ضمير وإنسانية واحدة ترفض ما يحدث وتعيد جدولة العالم في أجندة الضمير الإنساني الحي والصادق؟
يقول الشاعر محمود درويش:
«أكبر تنازل تقدمه في حياتك هو أن تتأقلم».

الخل أخو الخردل

في مقارنة بسيطة حملها رد مواطن فلسطيني سألته المذيعة عن أفضلية الخيارات بين انتخاب الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب أو المرشحة هيلاري كلينتون فرد قائلا «الخل أخو الخردل»، وفي هذه الجملة البسيطة يمكن أن تعرف وجهة نظر الشعب الفلسطيني تجاه المعارك السياسية والانتخابية الدائرة في العالم، كما أن تفهم رؤية هذا الشعب لكافة النزاعات المحمومة على السلطة وفرض السيطرة التي تتلخص في حالة تشابه «الخل بالخردل» لتعرف أن الفارق بين الأشياء عنده أصبح هشا وتافها، ولا يحقق أي تغيرات نوعية، وهذا الأمر يعتبر طبيعيا إذا ما شعرنا أن الإنسان الفلسطيني ذلك المعتقل خلف جدران الصمت في السجن الكبير في غزة، أو اللاجئ الذين سكن مدن وقرى وكهوف العالم وتعب من البحث عن هوية أو عن معنى وطن قد حصل على قناعة وثقة كبيرة أن كل ما يجري لن يغير من الوضع الفلسطيني، ولن يستطيع أن يوازن الخطى المتعثرة للسلام، وأن جميع هذه الإجراءات السياسية التي تجوب العالم شمالا وجنوبا وغاب أو غيب عنها الفلسطيني أصبحت لا تمنحه رغيف خبز أو قطرة ماء أو ساعات إضافية من الكهرباء أو الغاز أو بطانية تحميه من برد الشتاء ليستطيع أن يتكيف مع ظروفه الإنسانية، وأن تزيح عن كاهله ويلات التجويع والحصار والموت البطيء في غزة وإشكاليات الاستيطان والتهويد والاعتقالات في القدس والضفة أو تدفع عنه فاتورة اللجوء بعد أن فقد كل عناوين العودة واحتفظ بالمفاتيح. لقد صار ينظر إلى كل ما يجري بطريقة لا مبالية بفكره لا تحفزه على قراءة واقع ما بين السطور الانتخابية أو الحركات السياسية التي لم تحرك ساكنا في قضيته على مدار أكثر من ستين عاماً. هذا الفلسطيني الذي يتعايش مع الاحتلال لم يعد يهمه أو يعنيه التفكير في حالة الرفض أو القبول لتداعيات ذهاب قياداته للتعزية في شمعون بيريز أو عدم ذهابها! أو في كل مؤتمرات القمة العربية والدولية ولا الفيتو الظالم.
لم يعد يريد أن يعرف الفرق بين أهمية مبادرات السلام أو وضع خارطة جديدة لطريق الحرية الفلسطيني المملوء بالمؤامرات والمواجع، لم يعد يفكر في كل هذا الضجيج؛ لأنه يعيش حالة حرب أخرى في حالة التعايش والحياة في وطن مكبل بالأصفاد والنهايات المفتوحة على الجراح؛ لأنه منشغل بترميم مواجع أبنائه الذين تركت الحروب بصماتها في قلوبهم وأجسادهم، وهو يبحث عن مخرج للأسرى والمعتقلين وحالة النزاع الداخلي المحتدمة في الصف الفلسطيني. هذه اللا مبالاة ولدت من استفحال الألم والتجويع، ومن ثبوث التوقيت الفلسطيني على ساعة التصبر والتقبل والتأقلم، ولسان حاله في كل الأحوال مثل شعبي قديم يقول «يا قرد بدي أسخطك» بمعنى أكثر من قرد ماذا يمكن أن يكون؟

القمر العملاق

كانت فرصة ثمينة لكي يتشارك سكان الأرض بهجة القمر العملاق، ذلك الذي قرر أن يخرج في أبهى حلته ليعلن اكتمال «بدر البدور» في سماء العالم أجمع، بعد أن حشد حوله عيون البشر فقاموا بمراقبته بعيدا عن أي تمييز كان لهم جميعا ذات الحق في الاستمتاع بهذه اللحظة والركض إلى أعلى منازلهم وشرفاتهم وشوارعهم لمراقبة حالة الاكتمال والنضج الضوئي ووفقا للحسابات الفلكية، فإن هذا القمر الذي ظهر يوم 14 نوفمبر 2016م وقع في حالة مشابهة من حيث المسافة قبل حوالي سبعين عاما وتحديدا يوم 25 يناير 1948، وأنه سيتكرر بشكل مشابه سيكون يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2034 م، وسواء أكان موقعنا الجغرافي شمال أو جنوب خط الاستواء في أكثر المناطق قربا أو بعدا من هذا الوهج، إلا إننا أخيرا تقاسمنا رغيف القمر مع غيرنا من الأمم، وعدنا لليلة كاملة إلى حالتنا الإنسانية في الاشتراك وتقصي حزمة الضوء، عدنا إلى رومانسيتنا ونحن نتسابق ونتنافس في تسجيل لحظة اقترابنا منه للحظات أو لساعات تمكنا من الركض بعيدا عن متاهات الحياة وانشغالاتها، توقفنا لنرقب عودة الغائب الذي عاد دون مواعيد في ليلة من أعراس الضوء، جاء أخيرا بعد أن كانت إطلالته السابقة ليكون شاهدا على أقسى حقبة تاريخية سجلها تاريخنا العربي، وهي هزيمة العرب في حرب 48 ضد الصهاينة، وذلك عندما أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين، وغادرت القوات البريطانية، وأصدرت الأمم المتحدة قرارا بتقسيم فلسطين لدولتين يهودية وعربية، الأمر الذي عارضته الدول العربية، وقامت بشن هجوم عسكري لطرد الميليشيات اليهودية، ومنيت بهزيمة نكراء.
ربما لم يكن لدينا الوقت الكافي حينها لأن ندرك اكتمال البدر ولا أن نكتب قصائدنا العصماء عن وجه الشبه بين المرأة والقمر، ولا عن مقارنته بالشمس وغيره من الكواكب، ولا في التفسير العلمي لظهوره واكتماله وخسوفه، ربما في تلك الحقبة من ظهوره لم يحالفنا الحظ في أن نعرف أن هذا الاكتمال يعتبر من أجمل وأبدع الظواهر الكونية، وأنه كان يستحق منا التفاتة تكريم لهذا الحضور العظيم، وها هو يعود ليعتلي أسطح منازلنا وينجس ككومة من الفل المضيء اجتمعت في سمائنا لنقف لليلة واحدة نرقب ونترقب ونجلس خلسة في مكان بعيد نحتاج فيه إلى الصمت والهدوء بعيدا عن الضجيج، وقد ننصت قليلا لفيروز وهي تغني «يا قمر البعيد خلفك حبايبنا» أو أغنية خايفة لأنام وينزل القمر».
قالت أمي التي كانت أحد شهود العيان إنها لم تعرف عن وصول القمر إلى قبة السماء في عام 48 لأن الحرب التي لوعت قلوب الناس حتى نسوا هذه المناسبات الكونية، وجعلتهم يبحثون عن مأوى لمنابع الخوف، قالت إنه على الرغم من التحاف اللاجئين السماء إلا أنهم، ومن هول الحرب لم يتذكروا شكل النجوم ولا لون القمر، كانوا يختبئون منه خوفا من جحيم الحروب.
وفي هذه المرة جاء ليشهد من جديد على معاناة جديدة تحمل ذات السيناريو الشرس في مناطق مختلفة من الخارطة العربية، ولا أدري هل كان لدى سكان حلب والموصل واليمن من الوقت ليتساءلوا عن جمال البدر، وعن بعض النظريات الزائفة عن تأثيره على سلوك البشر، أو عن إعلانه عن مزيد من الكوارث الطبيعية والإنسانية؟ هل كان لديهم الوقت كي يعيشوا مثلنا لحظات التتبع والغرق أثناء وقوفهم على سجادة الضوء؟ وهل بقيت للقمر بهجته وهو يرقب خروج أطفال حلب من تحت الردم والركام؟ أم أنه ظل صامتا كما صمت في عام 48؟. هذا القمر الذي أخذ نصف ذاكرتنا العربية ونحن نتغزل في محياة وفي جمال هالته ووهجه، ولم تتغير قناعاتنا العاطفية تجاهه حتى بعد أن عرفنا أنه كوكب مظلم لا يمتلك مصدرا للإشعاع، وأنه لا يملك سوى القدرة على عكس الضوء، وعلى الرغم من ذلك أحببناه ومضينا نسرح في مسارب ضوئه؛ لأنه كان دائما يعكس حكاياتنا الإنسانية بكل صدق.

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2016

التربية الإعلامية وحراسة البوابة

عندما يتخلى القرَّاء، والمستمعون عن وكالة أنباء المجتمع، التي تحمل عنوان «يقولون»، وعن عمليات النسخ واللصق الرتيبة والمتكررة في محاولة لتوثيق معلومة، أو التأكد منها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حينها يمكننا أن نتحدث عن خروجنا من عنق زجاجة البحث عن أسباب التجاوزات الإعلامية التي اجتاحت حياتنا، ووصلت إلى وسائدنا الخالية لتملأها بالغث والسمين، وتتركنا ندور في حلقتنا المفرغة من الأسئلة المكوكية التي تتطاير كفقاعات الصابون، وما تلبث أن تختفي لتحل محلها أخرى في محاولتنا لتحري الحقيقة، والتثبت منها، ونحن نسأل: هل هذا الخبر صحيح أم مفبرك؟ ولكن الجواب لا يجب أن يكون بنفس براءة السؤال، وإنما يحتاج إلى التفكير والاهتمام بالتفاصيل. وفي قصة جون، مؤسس سلاسل مطاعم ناجحة في أوروبا، يقول إنه حين كان شاباً نظر إليه نائب الرئيس في «فنادق حياة»، وقال له: «أنت تنظر لكنك لا ترى». هذه النصيحة كانت كناية عن قلة اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة، الأمر الذي استوقفه، وجعله يعيد النظر، ويُكثر التدقيق، فبدأ ينظر إلى الصورة الكبيرة، ثم يقترب منها بقوة ليرى التفاصيل الصغيرة، مثل توزيع الإضاءة، والطاولات، والمقاعد، والديكور، وحقق له ذلك نجاحات باهرة في عمله، وهذا ما نحتاجه لنفهم وننجح.
ونحن نقرأ، أو نقيِّم، أو نتأكد نحتاج إلى أن نمتلك كافة أدوات التوثيق، وفلترة المعلومات، والتثبت منها، وتصفيتها لتكون ماءً زلالاً، نشرب من معينه مطمئنين على نقاوته وصفائه، هذه التربية الإعلامية التي يجب أن تُبنى على المعرفة والقراءة والاطلاع والبحث عن سنابل الدهشة الحقيقية بين هذه الحقول الإعلامية مترامية ومتشعبة الأطراف، والمتعددة في أهدافها وتوجهاتها، التي تتطلب منا أن نقلب نظرية حراسة البوابة لنكون نحن الحراس والمعنيين بمعطيات الحقيقة التي لا يحرسها غيرنا، وأن نحدد زواياها، ومقدارها بما يخدم مصالحنا دون وجود وسيط يقوم بعملية انتقائية، أو تحريف للحقائق لنظل نلعب دور المتلقي، أو المستهلك الإعلامي، ففي أي مؤسسة إخبارية هناك عدد من الأخبار التي يتم ترميزها بطرق تلبي متطلبات وسيلة الإعلام، وأذواق الجمهور لذلك يصبح الموظفون في هذه المؤسسات الحراسَ لها، فيسمحون بمرور بعض الأخبار، وتقييد ومراقبة، وتشكيل معرفة العامة بحقيقة الحدث، الذي يقع بالفعل، وذلك دورهم في صناعة الإعلام، والرأي العام من خلال القصص الإخبارية، والسيطرة على المعلومات، وأنشطة الاختيار، والإضافة والحجب، والعرض والتوجيه، والتشكيل والتداول، والتكرار والتوقيت، والتعريب والتكامل، والتجاهل، وذلك يجب أن يخلق لدينا فكرة المبادرة لكي نحرس الحقيقة، ونعرفها بعيداً عن الوسطاء والانتقائيين، أن نشكل تلك النظرة الواعية والناقدة في عيون جيلنا الجديد الذي لا يصدق كل ما يسمع، ويبحث عما وراء الخبر، ويعرف كيف يختار مصادره الإخبارية، أن نبني ثقافة الحقيقة، والبحث عنها، والتخلي عن أخبار «التيك أوي»، والخروج منها إلى مبدأ التروي والتوثيق والتفكير الواعي، الذي يقرر متى وكيف وأين ولماذا يقبل المعلومة، أو يرفضها.

بعود ثقاب واحد

وأنت تصطاد فكرتك وتلقي الطعم لأغبى سمكة في البحيرة تلك التي اختارت نهايتها على يديك تذكر أن هناك أسماكاً ملونة أخرى جديرة بالوقوع في شباكك وأنك بحاجة إلى مزيد من الذكاء لتصطاد أذكى السمكات وتغويها بابتلاع الطعم تذكر وأنت تكتب فكرتك الفذة وترسم طريق حروفك قول الجاحظ: الأفكار ملقاة على قارعة الطريق المهم كيف نتناولها، ولا تنس شغف الفراشات بالضوء تقترب منه فيحرقها ولا تستفيد من تجارب الفراشات المحترقات فدائما ما تتكرر حكايات الاحتراق أو الاصطياد لأن ذاكرة الأسماك التي لا تتجاوز الثواني الثلاث وذاكرة الاحتراق لدى الفراشات لم تردعها عن تكرار التجربة.
يقول نيتشة: نحن لا نتحرر إلا من خلال التذكر، ويقول مصطفى الحلاج: «أظن أننا لن نتحرر إلّا بالموت» وما بين الاحتراق والتذكر تنمو الأماني لأنهما حكايتان في مفصل الحنين ولأن المفكر والمبدع هما ذاكرة الأمة وضميرها الذي يتذكر إذا نسي الآخرون وهو يشعل في كل ليلة محرقة التذكر والنسيان وهو يواسي مشاعره ويصطاد منها ما ينطبق على النص فلا يخرج عن النسق ويظل يواسي الذاكرة.
فهو المعني بالتغيير والتنوير والتفكير وصياغة المعنى بما يليق بالحقيقة التي قد يؤثر بعضهم تجاهلها ونسيانها ويعود الكاتب ليعزف على أوتارها ويسقط قطرة الذكريات على جدب الأرض كي تتذكر هي الأخرى ما نسيته من الأقدام التي سارت على ثراها.
إنها الذاكرة التي تكفي للنسيان للهروب من الواقع وتقمص أدواراً غير حقيقية في الحياة والانتماء إلى لغة أخرى فما قيمة المفكر دون ذاكرة وما قيمة التجربة وسط سلال معبأة بالنسيان وهذا ما يجب أن يستحضره مثقفنا العربي وجيلنا الجديد الباحث عن السمكة الذهبية لابد وأن يستوعب أن الفكرة البسيطة يمكن أن توقد جذوة الاختلاف وإنهم بعود ثقاب واحد يمكنهم أن يحرقوا أكبر الغابات وإن شجرة واحدة يمكنها أن تنتج آلافاً من أعواد الثقاب ومن هنا يجب أن يطل الاختلاف والوعي في استخلاص التجارب الماضية وتذكر الناجح منها والعمل على الاستفادة من كل ذلك في التعبير عن الذات وصناعة الغد بالأفكار الخلاقة والإبداعية والنظرة المختلفة التي تصنع الفارق بين الأجيال الذي لا يأتي إلا بالوعي والقراءة والخروج من صندوق الفكر النمطي بفكرة تتجاوز حدود المربع إلى التفكير الإبداعي والتخلص من الحلول البديهية إلى المبتكرة للوصول إلى مناطق رحبة من التفكير ورسم خريطة جديدة للواقع بما يعزز تطور المجتمع وتنميته بناء على تجارب الاستثناء والاختلاف.

بتوقيت السعودية

عليك أن تضبط ساعتك على توقيت الرياض أولا… وأن تراعي فارق التوقيت.. ففي كل دقيقة قرارات صادرة ورادعة للإرهاب، في كل دقيقة تقول الأحداث إن هناك توقيتا حتميا لفرض الأمن في المملكة، واتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية والرادعة للضرب علي يد المخربين والمغرضين ومن يريدون ويحلمون بلمس سماء الرياض أو التفكير في التقدم على شبر واحد من أرضها أو إغراق شوارعها في الحزن وفرض سيناريو جديد على واقعها، عليك أن تضبط ساعتك على توقيت السعودية التي تقرأ واقع العالم وتعرف دورها ومسؤولياتها وقيمتها في العالم الإسلامي، حيث اتجهت بوصلة القرارات الحاسمة والصارمة نحوها بعد أن تابعت مجريات الأحداث وردت بصرامة القيادة الحكيمة على مدبري أعمال الشغب من المضللين تحت شعاراتهم المتزايدة والمتنامية والبراقة، السعودية فرضت توقيت سيادتها الوطنية للأمن الوطني بالقوة، كما وقفت خلف المبادرات العربية والإسلامية لصد الإرهاب والجماعات المتطرفة التي بدأت تنخر في جسد الأمة العربية والإسلامية، التي أخذتنا إلى متاهات غريبة لم تكن في الحسبان، تلك الجماعات التي بدأت تخرج من تقزمها لتظهر ككوابيس في أحلامنا، وهي تحاول أن تتطاول لتأخذ منا ما عشنا سنين طويلة ونحن نحرسه إنه «الأمان»، تلك الكلمة الضائعة التي لم نعرف كيف نركبها في صفحات التسالي العربية، وكلما جمعنا حروفها سقط حرف في هاوية التشرد واللجوء، ذلك الهم الذي قلب طاولة العالم بأسره وجعله يفتش عن حلول لهذا الواقع المفزع ،الذي سرق من الصغار حقائب المدارس وغرف النوم وأكواب الحليب وحكايات ما قبل النوم، وأخذهم إلى قصص مفزعة لم يعرفوا كيف يستيقظون منها بتوقيت السعودية. يمكن أن يعرف كل مواطن ومقيم على هذه الأرض أن الأمان فرض واجب وأن الحفاظ عليه خط أحمر لا يمكن المساس به أو تجاوزه، ذلك الذي يجعل الإنسان السعودي ينام وهو يشعر بأن هناك عينا تحرسه بتوقيت لا يساوم في قضية الأمان ولا يسمح بتجاوز خطوطه، بعد أن قرأ الدرس واستوعبه ووضع خططه وإستراتيجيته لإكمال نسيج الخيمة الآمنة التي يستظل بها كل من يعيش على ثرى هذه البلاد، ويتوجب عليه المساهمة في حمايتها والحفاظ على أمنها. فالأمن هنا مسؤولية مجتمع وأسرة ومواطنة، ولم أستغرب عندما سمعت عن قصص لآباء وأمهات قاموا بالتبليغ، معتبرين ذلك واجبا وطنيا يجب الحفاظ عليه، ورضوا بأن يفدوا هذا الأمن الوطني بأغلى وأثمن ما يملكون وهم «أبناؤهم».
هذا التوقيت الذي فرضته السعودية هو شعور أبنائها بدورهم في الحفاظ على أمنها، وبذل الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ عليه وحمايته.

رصاصة الرحمة

إنها الرصاصة القاسية الباردة، التي تنطلق من يدك قبل روحك، وتخرج من عقلك قبل قلبك، تلك التي تفر من أعمق منطقة في الوجدان مع شهقات الحنين الإجباري عندما تغمض عينيك حتى لا ترى أمامك اللحظة، التي كنت تخاف منها، وألا تسمع أنينك، وأنت تغادر محطتك الأخيرة، وتسحب أجهزة التنفس الصناعية عن آخر دفقة حياةٍ كنت تعيشها، وتختار أصعب قرار بالابتعاد عن كل ما كان يبهجك، ويشعرك بالأمان، وأنت تصوب بندقيتك الصارمة نحو قلبك، وتهديه رصاصة أخيرة كيلا يرتجف، ويصمت إلى الأبد، كي تسقط آخر ورقة يابسة من شجرة العمر، هذه اللحظة التي وقف فيها «بندول الساعة»، وعاشها معظم الناس حائرين تجاه مرضاهم، الذين يتعذبون من شدة الوجع، وهم يقفون أمامهم دونما حيلة بعد أن شارفت حياتهم على المغيب، وهم يقاومون شعورهم بالعجز، والحيرة قبل أن يمتلكوا جرأة اتخاذ خطوة عاجلة، وموجعة في الاتجاه الصحيح، وهم يعدون حصى الطرقات غير المنتهية.
تلك اللحظات، التي تنبت من رحم الحنين لكل الخيارات الصعبة، التي اتخذناها، وكانت فارقة في مفصل الحياة، وفي نظرنا قرارات غير منطقية، ونحن نعرف أنها ستظل في القلب غصة، وأنها ستنبت كالشوك بين أعشابنا الخضراء، لندوسها، ونحن نشعر بجمر الأقدار، الذي لا يواسي أقدامنا، ندوسه، ونمشي عليه، ونحن نعرف أننا سنواصل المسير مهما تألمنا لتتحول كل حكاياتنا في النهاية إلى ذكريات، تعبر على القلب، فتجمعه كله في لحظة ألم، ثم تنجلي، فمَنْ منا لم يطلق على قلبه، وحياته، ومشاعره، وعلى أشيائه الحبيبة رصاصة رحمة؟
ومَنْ منا استثناه القدر من هذه «الروشتة الأزلية»، التي أخذنتا إلى مفترق طرق، استعصت معها الحلول، وكانت النهايات المؤلمة هي الحل المثالي، الذي يجب علينا أن نقبله؟
ولم يتوقف تداول هذا اللفظ للحديث عن المشاعر الإنسانية الخاصة، وإنما تجاوزها ليحكي عن مختلف قضايانا العربية، والإسلامية، التي تنتظر رصاصة رحمة، تنهي معاناة شعوبنا، رصاصة واحدة فقط تنهي مهزلة المؤامرات، والتشرد، واللجوء، وصقيعنا العربي، رصاصة تكفينا لاختيار حل مثالي، وموجع، ولكنه يصنع رمقاً أخيراً، ودفقة حياة جديدة، صارت هي كل أمنياتنا.
لتبدأ دورة حياة جديدة، يعيد فيها التاريخ نفسه، ويذكِّرنا بتكرار الرصاصة تلو الرصاصة، نطلقها بأيدينا المرتجفة لننهي معاناتنا، ونعود لنتذكر، ونحن نكرر ذات التجربة، ونطلق ذات الرصاصة في كل مرة نغفو فيها بالقرب من حلمنا العربي، الذي نتمنى أن يُولد من رحم الأزمات سوياً، وكبيراً، وعظيماً بحجم أوجاعنا.
يقول الشاعر محمود درويش:
أغار من الحصان، فإذا انكسرت ساقه وأحس
بإهانة العجز عن الكر والفر في الريح …
عالجوه برصاصة الرحمة. وأنا إذا انكسر
شيء فيَّ، جسديٌّ أو معنويٌّ، أوصي
بالبحث عن قاتل ماهر، حتى لو كان من
أعدائي. سأدفع له أجرة وثمن الرصاصة
سأقبل يده والمسدس. وإذا كنت قادراً
على الكتابة، مدحته بقصيدة عصماء، يختار
هو وزنها والقافية!

اخر التعليقات