الاثنين، 19 ديسمبر 2016

مدافن الانترنت

في تطور كبير لمجريات عملية التبادل التقني والمعرفي المذهلة والمتسارعة يمكن أن تحدث أشياء متوقعة وأخرى غير متوقعة نلاحظها من خلال حالة الرصد اليومي لحالات النبش في قبور المرسلات والمستقبلات التي يتم نشرها على صفحات الإنترنت مع غسيلنا اليومي وتقاسمنا مفردات التقنية مما قد يفاجئنا حول أسباب عودة بعض الأشخاص بالزمن إلى الوراء لسنوات طويلة للبحث في السجلات المؤرشفة لأشخاص مستهدفين والعمل على نفض الغبار عن معلومات قديمة وإيقاظ خلايا المقاطع النائمة التي قد مرت سابقا دون أي التفاتة أو تدقيق من أحد لإعادتها إلى الوجود بتعزيز من نماذج غريبة في المجتمع تجند نفسها لمقاضاة الماضي ومنشوراته من خلال القيام بعمليات إنعاش رئوي لبعض المقاطع والمعلومات القديمة وإحضارها من عالم الغياب إلى واقع المساءلة القانونية والمجتمعية أو لأهداف شخصية أو مآرب قد لا تخطر لنا على بال ودون أن نجد تفسيرا منطقيا لمن يقف خلف هذه الحالة من الإثارة والمنتفعين من استحضار هذه المقاطع وتوجيهها إعلاميا وإغراق وسائل التواصل الاجتماعي بمعلومات مؤرشفة دون وضع أي إيضاحات مما يؤدي إلى استثارة المجتمع وحفز هممه وردوده حول قضية أو شخصية ما بهدف إشغال الرأي العام والإعلام لوضع تفسيرات لمقاطع منتهية الصلاحية بسبب تعاقب السنوات ومرور الزمن مما جعل مثل هذه المقاطع أو المعلومات من كتابات أدبية أو نثرية أو معلوماتية وسيلة للانتقام وتحريك المشاعر تجاه قضية بعينها وفرض قوانين تحاكم الأشخاص لتهورهم في نشر معلومة أو مادة أو مقطع.
 فإذا أردت الانتقام من شخصية أو محاربة فكرة ولم تجد سبيلا واقعيا حاضرا فما عليك سوى أن تنبش في مدافن الإنترنت وكافة أدواتها التي يمكن من خلالها أن تحصل على معول تستطيع من خلاله إيقاظ نقمة مجتمع أو تفريغ شحناتك السلبية تجاه ما تريد بطريقة وحيدة تقوم على حالة التتبع والتقصي والبحث الذي يمكن أن تعثر من خلالها على هفوة تودي بغريمك إلى هوة سحيقة!
 ومن هنا ومن خلال كل هذه المعطيات لابد أن نستيقظ من حالة اللامبالاة التي نعيشها في تعاملنا مع وسائل التواصل الاجتماعي وأن نتخلص من عقدة القص واللصق ومن حالة التهور التي تنتابنا أحيانا في تعبيرنا عن وجهة نظر لابد وأن نتوقف قليلا قبل أن نضغط «كلك» على كلمة نشر التي تتطلب كثيرا من الوعي والمراجعة والإدراك والتأكد قبل أن نعرض أنفسنا لقوانين عقوبات الجرائم الإلكترونية والمعلوماتية التي قد نتورط بها دون أن ندري أننا نمارس فعل تأجيج الرأي العام لأسباب انفعالية أو نتيجة ردة فعل لموضوع يقف خلفه أشخاص يهندسون الشائعات ويعبدون تأهيل وترميم قضايا الماضي وكأنها آنية لتحقيق أهداف مجهولة لا يعرفها غيرهم وحتى لا نتحول نحن إلى أدوات عمياء تحقق نتيجة المعادلة دون أن تعرف طريقة الحل.
 علينا أن نقرأ وندرك ونختار ما يصدر منا عبر هذه القنوات حتى لا تتحول هذه المفردات إلى أدوات لتصفية الحسابات وقرائن توقعنا في شراك المساءلة والعقوبات القانونية.

قدود الموت الحلبية

كل شيء يتهاوى في “حلب” لقد فرض الموت لحنه الجنائزي على ياسمين الشام ومواسم بلحها وأزقتها وحاراتها العتيقة وتجاوز حنين القدود الحلبية التي توجتها لعصور طويلة عاصمة للموسيقى العربية إلى نضوج الوجع وحلول الخراب والدمار.
 لم تعرف قدود حلب أنها ستكون مضطرة لتأليف مقطوعات الموت الجماعي وأن هذا اللحن سيخرج عفويا من أنين الثكالى وصمت الأرواح التي أطبقت عليها المنازل أن هذه الترانيم ستسكن أحجار الطرقات وأعمدة المباني المهدمة لتفرض صورة لمدينة أشباح عربية جديدة.
 كل شيء تغير بفارق مسافة بعد السماء عن الأرض وبفارق بعد معاني الحياة عن الموت الذي صار يطبل ويخرج من كل مكان يطل من النوافذ ويتساقط كالمطر من عنان السماء تلك التي لا تعرف سوى الرحمة وبركات المطر فهل سمعت عن سماء تمطر جحيما أو ترمي حمما أو تغرق أبناءها بهدايا الموت الرديء؟ هذه التهم الموجهة إلى السماء باطلة فهي ليست مسؤولة عن جرائم البشر وتفننهم في إيجاد هوية للموت الذي يبرر نفسه دائما ويتركنا لصمت صدمته الأولى وصبر اللحظات الغابرة نضرب الكف بالكف ونحن لا نصدق أن ما يجري هو حقيقة وليس كابوسا عربيا يطارد أحلام الحياة وعيون الصغار التي لم تعد تفهم كيف تفسر وتستوعب حجم ألعاب الكبار وإشكاليات القوة والبطش وشريعة الغاب.
 لم يستطع نزار قباني أن يقرأ في هذه المدينة سوى الحب عندما قال كل دروب الحب تؤدي إلى حلب لم يكن يعلم أن مدينة بأكملها ستعجز عن تفسير أسباب التحول بين الحب والحرب والموسيقى والشعر إلى مفارق الموت واجتثاث أرواح الأبرياء من عمق الحياة.
 لم تعرف حلب التي يفيض الجرح منها أن مسلسل الموت طويل كطول ليالي الشتاء وأن قلة الحيلة العربية ستقف لتواسي هول الموت بالبكاء.
 سامحينا يا سيدتي فوجعك أكبر من احتمال نشرات الأخبار وقوافي الشعراء وقصائد المرثيات العصماء سامحينا إذا كنت تقدرين على السماح كما قدرت على احتمال فاجعة السكوت الذي يأتي بعد عواصف الخوف والفزع وتقارير الأنباء التي حولت الإنسان إلى رقم يضاف إلى قوائم القتلى أو المصابين الرخيصة.
 كل دروب الحياة تؤدي إلى روما وكل دروب الموت صارت تؤدي إلى حلب “هذا هو المعنى المختلف ما بين الدروب السحيقة التي هوت بسكان مدينة بأكملها إلى جحيم الموت وما بين عالم سيغرق بعد أيام في احتفاليات رأس السنة الجديدة ليثبت إنسانيته وتحضره وهو يرتدي بذلته السوداء الأنيقة ويضع وردة حمراء في عروة الجاكيت
 بينما يموت أطفال حلب وسط ويلات الخرس المطبق وهو يرتب فوضى الدمار المبعثر في كل الزوايا ذلك الذي لا يعرف كيف يواسي أحدا وليس لديه أي استعداد لأن يبرر بطش آلة عسكرية أطاعت بطش الطغاة.

الاثنين، 28 نوفمبر 2016

الجروح المفتوحة

هل نحتاج إلى عمليات جراحية سريعة وواعية لإغلاق جروحنا المفتوحة؟ وهل تجدي إجراءات الإنعاش لإنقاذ الرئة العربية الأخرى في سوريا والعراق وليبيا واليمن؟ والجرح العميق في فلسطين؟
لا يمكن لأحد أن ينكر أن كل ما يجري ليس أكثر من حرب استنزاف غرق فيها العالم برمته وخسرنا فيها جميعا بغض النظر عن نظريات المؤامرة والتآمر، ومن تآمر على من!
جميعنا خسرنا من تغذية هذه التصدعات السياسية والانقسامات، وفيما يبدو أننا استدرجنا إلى وحل «السقوط المر» الذي يضعنا أمام مجموعة من التساؤلات التي نحتاج إلى مدة زمنية طويلة للإجابة عليها فكم من الوقت يكفي لعلاج هذه الجراح النازفة؟ وما هي المدة الزمنية التي تحقق عودة النازحين السوريين واليمنيين والعراقيين إلى بلادهم؟ وهل ساهمنا بدور العاجز في تفاقم هذه الجروح ووصولها إلى حدود اليأس دون أن ندري؟
ولماذا كلما بحثنا عن رقعة لهذا الثوب العربي ابتلينا بثقب جديد أكثر اتساعا من السابق لتظل هذه الصراعات سببا في زيادة النزف واستمرار العنف حتى صرنا نتقبل مشاهد القتل والتدمير والتشريد، وكأنها من المسلمات التي لا حول لنا فيها ولا قوة ليظل الصراع سببا لمزيد من الحروب وتجنيد المقاتلين واستنزاف ثروات المسلمين وتعميق الانشقاق ونمو الأيديولوجيات المتطرفة التي خلقت هذا الواقع السردي الذي حول هؤلاء الحرافيش والهجامة المنسيين والساقطين من أفلامنا وهويتنا العربية إلى قتلة مشهورين بفعل الدعاية الإرهابية على شبكة الإنترنت وتهويل قوتهم البائسة، فلم يعد غريبا علينا أن نسمع مسميات لأشرس القتلة وألقابهم وتفننهم في سلخ وحرق وقطع الرؤوس، كل شيء في هذا الزمان الصعب عادي لم نعد نجد صعوبة في تقبله بصمت وبقلة الحيلة، يقول تقرير «جلوبال ترندز 2030»، الذي تحدّث فيه مدير الاستخبارات القومية الأمريكي عن «اختلال توازن مُحدق» في المنطقة، حتى قبل ظهور تنظيم داعش واندلاع الأزمة السورية؛ حيث تحقق عدد من أسوأ السيناريوهات المذكورة في ذلك التقرير بوجود جروح مفتوحة في سورية وليبيا واليمن وغيرها من الدول، الأمر الذي يمهّد الطريق لمشكلات خطيرة على المدى الطويل هذه المشكلات لن تؤثر على هذه الدول بمفردها، وإنما سيكون تأثيرها كبيرا على العالم بأسره الذي قد لا تجدي معه أي إجراءات احترازية، فكل يوم نستيقظ على انهيار جديد، وجرح جديد، وكابوس تحول إلى حقيقة، تحاصر مستقبل الأمة العربية والإسلامية، وتضع كماشة الإرهاب حول مصالحها الاقتصادية والسياسية والفكرية، وتجعلها في حالة انشغال لردم الهوة التي تتكاثر يوما بعد يوم وتتطلب جراحاً ماهراً يستطيع أن يعالج هذا الوجع الذي لن يندمل إلا بوحدة عربية إسلامية تقوم على تغليب المصالح العليا للعالم الإسلامي على الخلافات الوقتية والتخلص من الإرهاب، ومعرفة المتسبب والمستفيد من أجندة الاستنزاف، ومن تغييب وتسويف الجرح الفلسطيني، وقضايا اللجوء عن الفكر العربي، وإشغاله بقضايا خلافات سياسية تعمل من خلالها القوى العظمى على إشعالها للوصول إلى السلطة والسيطرة حتى لو كان ذلك على حساب دماء الأبرياء، وحياة أمة بأكملها كانت تتلمس طريقها بعيدا عن قوة الاستعمار والتحكم، وتحاول أن تخلق وجودها، وأن تنعم بحضارتها، وأن تبني مستقبلا أمنا لأجيالها القادمة، فمن سرق منا حتى الأحلام وحولنا إلى بائسين في انتظار خبر واحد أو وقفة ضمير وإنسانية واحدة ترفض ما يحدث وتعيد جدولة العالم في أجندة الضمير الإنساني الحي والصادق؟
يقول الشاعر محمود درويش:
«أكبر تنازل تقدمه في حياتك هو أن تتأقلم».

الخل أخو الخردل

في مقارنة بسيطة حملها رد مواطن فلسطيني سألته المذيعة عن أفضلية الخيارات بين انتخاب الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب أو المرشحة هيلاري كلينتون فرد قائلا «الخل أخو الخردل»، وفي هذه الجملة البسيطة يمكن أن تعرف وجهة نظر الشعب الفلسطيني تجاه المعارك السياسية والانتخابية الدائرة في العالم، كما أن تفهم رؤية هذا الشعب لكافة النزاعات المحمومة على السلطة وفرض السيطرة التي تتلخص في حالة تشابه «الخل بالخردل» لتعرف أن الفارق بين الأشياء عنده أصبح هشا وتافها، ولا يحقق أي تغيرات نوعية، وهذا الأمر يعتبر طبيعيا إذا ما شعرنا أن الإنسان الفلسطيني ذلك المعتقل خلف جدران الصمت في السجن الكبير في غزة، أو اللاجئ الذين سكن مدن وقرى وكهوف العالم وتعب من البحث عن هوية أو عن معنى وطن قد حصل على قناعة وثقة كبيرة أن كل ما يجري لن يغير من الوضع الفلسطيني، ولن يستطيع أن يوازن الخطى المتعثرة للسلام، وأن جميع هذه الإجراءات السياسية التي تجوب العالم شمالا وجنوبا وغاب أو غيب عنها الفلسطيني أصبحت لا تمنحه رغيف خبز أو قطرة ماء أو ساعات إضافية من الكهرباء أو الغاز أو بطانية تحميه من برد الشتاء ليستطيع أن يتكيف مع ظروفه الإنسانية، وأن تزيح عن كاهله ويلات التجويع والحصار والموت البطيء في غزة وإشكاليات الاستيطان والتهويد والاعتقالات في القدس والضفة أو تدفع عنه فاتورة اللجوء بعد أن فقد كل عناوين العودة واحتفظ بالمفاتيح. لقد صار ينظر إلى كل ما يجري بطريقة لا مبالية بفكره لا تحفزه على قراءة واقع ما بين السطور الانتخابية أو الحركات السياسية التي لم تحرك ساكنا في قضيته على مدار أكثر من ستين عاماً. هذا الفلسطيني الذي يتعايش مع الاحتلال لم يعد يهمه أو يعنيه التفكير في حالة الرفض أو القبول لتداعيات ذهاب قياداته للتعزية في شمعون بيريز أو عدم ذهابها! أو في كل مؤتمرات القمة العربية والدولية ولا الفيتو الظالم.
لم يعد يريد أن يعرف الفرق بين أهمية مبادرات السلام أو وضع خارطة جديدة لطريق الحرية الفلسطيني المملوء بالمؤامرات والمواجع، لم يعد يفكر في كل هذا الضجيج؛ لأنه يعيش حالة حرب أخرى في حالة التعايش والحياة في وطن مكبل بالأصفاد والنهايات المفتوحة على الجراح؛ لأنه منشغل بترميم مواجع أبنائه الذين تركت الحروب بصماتها في قلوبهم وأجسادهم، وهو يبحث عن مخرج للأسرى والمعتقلين وحالة النزاع الداخلي المحتدمة في الصف الفلسطيني. هذه اللا مبالاة ولدت من استفحال الألم والتجويع، ومن ثبوث التوقيت الفلسطيني على ساعة التصبر والتقبل والتأقلم، ولسان حاله في كل الأحوال مثل شعبي قديم يقول «يا قرد بدي أسخطك» بمعنى أكثر من قرد ماذا يمكن أن يكون؟

القمر العملاق

كانت فرصة ثمينة لكي يتشارك سكان الأرض بهجة القمر العملاق، ذلك الذي قرر أن يخرج في أبهى حلته ليعلن اكتمال «بدر البدور» في سماء العالم أجمع، بعد أن حشد حوله عيون البشر فقاموا بمراقبته بعيدا عن أي تمييز كان لهم جميعا ذات الحق في الاستمتاع بهذه اللحظة والركض إلى أعلى منازلهم وشرفاتهم وشوارعهم لمراقبة حالة الاكتمال والنضج الضوئي ووفقا للحسابات الفلكية، فإن هذا القمر الذي ظهر يوم 14 نوفمبر 2016م وقع في حالة مشابهة من حيث المسافة قبل حوالي سبعين عاما وتحديدا يوم 25 يناير 1948، وأنه سيتكرر بشكل مشابه سيكون يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2034 م، وسواء أكان موقعنا الجغرافي شمال أو جنوب خط الاستواء في أكثر المناطق قربا أو بعدا من هذا الوهج، إلا إننا أخيرا تقاسمنا رغيف القمر مع غيرنا من الأمم، وعدنا لليلة كاملة إلى حالتنا الإنسانية في الاشتراك وتقصي حزمة الضوء، عدنا إلى رومانسيتنا ونحن نتسابق ونتنافس في تسجيل لحظة اقترابنا منه للحظات أو لساعات تمكنا من الركض بعيدا عن متاهات الحياة وانشغالاتها، توقفنا لنرقب عودة الغائب الذي عاد دون مواعيد في ليلة من أعراس الضوء، جاء أخيرا بعد أن كانت إطلالته السابقة ليكون شاهدا على أقسى حقبة تاريخية سجلها تاريخنا العربي، وهي هزيمة العرب في حرب 48 ضد الصهاينة، وذلك عندما أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين، وغادرت القوات البريطانية، وأصدرت الأمم المتحدة قرارا بتقسيم فلسطين لدولتين يهودية وعربية، الأمر الذي عارضته الدول العربية، وقامت بشن هجوم عسكري لطرد الميليشيات اليهودية، ومنيت بهزيمة نكراء.
ربما لم يكن لدينا الوقت الكافي حينها لأن ندرك اكتمال البدر ولا أن نكتب قصائدنا العصماء عن وجه الشبه بين المرأة والقمر، ولا عن مقارنته بالشمس وغيره من الكواكب، ولا في التفسير العلمي لظهوره واكتماله وخسوفه، ربما في تلك الحقبة من ظهوره لم يحالفنا الحظ في أن نعرف أن هذا الاكتمال يعتبر من أجمل وأبدع الظواهر الكونية، وأنه كان يستحق منا التفاتة تكريم لهذا الحضور العظيم، وها هو يعود ليعتلي أسطح منازلنا وينجس ككومة من الفل المضيء اجتمعت في سمائنا لنقف لليلة واحدة نرقب ونترقب ونجلس خلسة في مكان بعيد نحتاج فيه إلى الصمت والهدوء بعيدا عن الضجيج، وقد ننصت قليلا لفيروز وهي تغني «يا قمر البعيد خلفك حبايبنا» أو أغنية خايفة لأنام وينزل القمر».
قالت أمي التي كانت أحد شهود العيان إنها لم تعرف عن وصول القمر إلى قبة السماء في عام 48 لأن الحرب التي لوعت قلوب الناس حتى نسوا هذه المناسبات الكونية، وجعلتهم يبحثون عن مأوى لمنابع الخوف، قالت إنه على الرغم من التحاف اللاجئين السماء إلا أنهم، ومن هول الحرب لم يتذكروا شكل النجوم ولا لون القمر، كانوا يختبئون منه خوفا من جحيم الحروب.
وفي هذه المرة جاء ليشهد من جديد على معاناة جديدة تحمل ذات السيناريو الشرس في مناطق مختلفة من الخارطة العربية، ولا أدري هل كان لدى سكان حلب والموصل واليمن من الوقت ليتساءلوا عن جمال البدر، وعن بعض النظريات الزائفة عن تأثيره على سلوك البشر، أو عن إعلانه عن مزيد من الكوارث الطبيعية والإنسانية؟ هل كان لديهم الوقت كي يعيشوا مثلنا لحظات التتبع والغرق أثناء وقوفهم على سجادة الضوء؟ وهل بقيت للقمر بهجته وهو يرقب خروج أطفال حلب من تحت الردم والركام؟ أم أنه ظل صامتا كما صمت في عام 48؟. هذا القمر الذي أخذ نصف ذاكرتنا العربية ونحن نتغزل في محياة وفي جمال هالته ووهجه، ولم تتغير قناعاتنا العاطفية تجاهه حتى بعد أن عرفنا أنه كوكب مظلم لا يمتلك مصدرا للإشعاع، وأنه لا يملك سوى القدرة على عكس الضوء، وعلى الرغم من ذلك أحببناه ومضينا نسرح في مسارب ضوئه؛ لأنه كان دائما يعكس حكاياتنا الإنسانية بكل صدق.

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2016

التربية الإعلامية وحراسة البوابة

عندما يتخلى القرَّاء، والمستمعون عن وكالة أنباء المجتمع، التي تحمل عنوان «يقولون»، وعن عمليات النسخ واللصق الرتيبة والمتكررة في محاولة لتوثيق معلومة، أو التأكد منها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حينها يمكننا أن نتحدث عن خروجنا من عنق زجاجة البحث عن أسباب التجاوزات الإعلامية التي اجتاحت حياتنا، ووصلت إلى وسائدنا الخالية لتملأها بالغث والسمين، وتتركنا ندور في حلقتنا المفرغة من الأسئلة المكوكية التي تتطاير كفقاعات الصابون، وما تلبث أن تختفي لتحل محلها أخرى في محاولتنا لتحري الحقيقة، والتثبت منها، ونحن نسأل: هل هذا الخبر صحيح أم مفبرك؟ ولكن الجواب لا يجب أن يكون بنفس براءة السؤال، وإنما يحتاج إلى التفكير والاهتمام بالتفاصيل. وفي قصة جون، مؤسس سلاسل مطاعم ناجحة في أوروبا، يقول إنه حين كان شاباً نظر إليه نائب الرئيس في «فنادق حياة»، وقال له: «أنت تنظر لكنك لا ترى». هذه النصيحة كانت كناية عن قلة اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة، الأمر الذي استوقفه، وجعله يعيد النظر، ويُكثر التدقيق، فبدأ ينظر إلى الصورة الكبيرة، ثم يقترب منها بقوة ليرى التفاصيل الصغيرة، مثل توزيع الإضاءة، والطاولات، والمقاعد، والديكور، وحقق له ذلك نجاحات باهرة في عمله، وهذا ما نحتاجه لنفهم وننجح.
ونحن نقرأ، أو نقيِّم، أو نتأكد نحتاج إلى أن نمتلك كافة أدوات التوثيق، وفلترة المعلومات، والتثبت منها، وتصفيتها لتكون ماءً زلالاً، نشرب من معينه مطمئنين على نقاوته وصفائه، هذه التربية الإعلامية التي يجب أن تُبنى على المعرفة والقراءة والاطلاع والبحث عن سنابل الدهشة الحقيقية بين هذه الحقول الإعلامية مترامية ومتشعبة الأطراف، والمتعددة في أهدافها وتوجهاتها، التي تتطلب منا أن نقلب نظرية حراسة البوابة لنكون نحن الحراس والمعنيين بمعطيات الحقيقة التي لا يحرسها غيرنا، وأن نحدد زواياها، ومقدارها بما يخدم مصالحنا دون وجود وسيط يقوم بعملية انتقائية، أو تحريف للحقائق لنظل نلعب دور المتلقي، أو المستهلك الإعلامي، ففي أي مؤسسة إخبارية هناك عدد من الأخبار التي يتم ترميزها بطرق تلبي متطلبات وسيلة الإعلام، وأذواق الجمهور لذلك يصبح الموظفون في هذه المؤسسات الحراسَ لها، فيسمحون بمرور بعض الأخبار، وتقييد ومراقبة، وتشكيل معرفة العامة بحقيقة الحدث، الذي يقع بالفعل، وذلك دورهم في صناعة الإعلام، والرأي العام من خلال القصص الإخبارية، والسيطرة على المعلومات، وأنشطة الاختيار، والإضافة والحجب، والعرض والتوجيه، والتشكيل والتداول، والتكرار والتوقيت، والتعريب والتكامل، والتجاهل، وذلك يجب أن يخلق لدينا فكرة المبادرة لكي نحرس الحقيقة، ونعرفها بعيداً عن الوسطاء والانتقائيين، أن نشكل تلك النظرة الواعية والناقدة في عيون جيلنا الجديد الذي لا يصدق كل ما يسمع، ويبحث عما وراء الخبر، ويعرف كيف يختار مصادره الإخبارية، أن نبني ثقافة الحقيقة، والبحث عنها، والتخلي عن أخبار «التيك أوي»، والخروج منها إلى مبدأ التروي والتوثيق والتفكير الواعي، الذي يقرر متى وكيف وأين ولماذا يقبل المعلومة، أو يرفضها.

بعود ثقاب واحد

وأنت تصطاد فكرتك وتلقي الطعم لأغبى سمكة في البحيرة تلك التي اختارت نهايتها على يديك تذكر أن هناك أسماكاً ملونة أخرى جديرة بالوقوع في شباكك وأنك بحاجة إلى مزيد من الذكاء لتصطاد أذكى السمكات وتغويها بابتلاع الطعم تذكر وأنت تكتب فكرتك الفذة وترسم طريق حروفك قول الجاحظ: الأفكار ملقاة على قارعة الطريق المهم كيف نتناولها، ولا تنس شغف الفراشات بالضوء تقترب منه فيحرقها ولا تستفيد من تجارب الفراشات المحترقات فدائما ما تتكرر حكايات الاحتراق أو الاصطياد لأن ذاكرة الأسماك التي لا تتجاوز الثواني الثلاث وذاكرة الاحتراق لدى الفراشات لم تردعها عن تكرار التجربة.
يقول نيتشة: نحن لا نتحرر إلا من خلال التذكر، ويقول مصطفى الحلاج: «أظن أننا لن نتحرر إلّا بالموت» وما بين الاحتراق والتذكر تنمو الأماني لأنهما حكايتان في مفصل الحنين ولأن المفكر والمبدع هما ذاكرة الأمة وضميرها الذي يتذكر إذا نسي الآخرون وهو يشعل في كل ليلة محرقة التذكر والنسيان وهو يواسي مشاعره ويصطاد منها ما ينطبق على النص فلا يخرج عن النسق ويظل يواسي الذاكرة.
فهو المعني بالتغيير والتنوير والتفكير وصياغة المعنى بما يليق بالحقيقة التي قد يؤثر بعضهم تجاهلها ونسيانها ويعود الكاتب ليعزف على أوتارها ويسقط قطرة الذكريات على جدب الأرض كي تتذكر هي الأخرى ما نسيته من الأقدام التي سارت على ثراها.
إنها الذاكرة التي تكفي للنسيان للهروب من الواقع وتقمص أدواراً غير حقيقية في الحياة والانتماء إلى لغة أخرى فما قيمة المفكر دون ذاكرة وما قيمة التجربة وسط سلال معبأة بالنسيان وهذا ما يجب أن يستحضره مثقفنا العربي وجيلنا الجديد الباحث عن السمكة الذهبية لابد وأن يستوعب أن الفكرة البسيطة يمكن أن توقد جذوة الاختلاف وإنهم بعود ثقاب واحد يمكنهم أن يحرقوا أكبر الغابات وإن شجرة واحدة يمكنها أن تنتج آلافاً من أعواد الثقاب ومن هنا يجب أن يطل الاختلاف والوعي في استخلاص التجارب الماضية وتذكر الناجح منها والعمل على الاستفادة من كل ذلك في التعبير عن الذات وصناعة الغد بالأفكار الخلاقة والإبداعية والنظرة المختلفة التي تصنع الفارق بين الأجيال الذي لا يأتي إلا بالوعي والقراءة والخروج من صندوق الفكر النمطي بفكرة تتجاوز حدود المربع إلى التفكير الإبداعي والتخلص من الحلول البديهية إلى المبتكرة للوصول إلى مناطق رحبة من التفكير ورسم خريطة جديدة للواقع بما يعزز تطور المجتمع وتنميته بناء على تجارب الاستثناء والاختلاف.

اخر التعليقات